قصتي مع العربیة

لما کنت في الرابعة عشرة من عمري، التحقت بالجامعة الفاروقیة کراتشی وکانت الجامعة إذ ذاك ذائعة الصيت، شائعة السمعة حیث المعھد العربي، یشار إليها بالبنان في نشر الضاد الشريفة في ربوع باکستان، ولأهلها وأربابها خدمات جليلة وآثار ملموسة تجاه ترويجها وإشاعتھا في أهالي هذه البلدة الحبيبة وإنّ هذاالباب وسيع الذیل، فإذا بدأت فيه وفتحت هذا الباب فلا یمكنني إغلاقه لذا أعرض كشح المقال عنه و أرجع إلی ماکنت بصدد ذکره وبیانه۔

التحقت ھنا  بالصف الثاني، وکان في قلبي حرص زائد وشغف كبیر لتعلم العربية، ولکن کما سمعت أن معهد الجامعة رفيع المستوی من حیث العربیة، فخفت أنني إذا ألحقت نفسي به، توشك أن تقع في الورطة، فقبّلت هذاالحجر الثقيل ثم وضعته علی مکانه وماحركته وأقمت نفسي في زمرة النظامیین (الذین یلتحقون بالمنہج النظامي وتكون الدروس فيها بالأردية) ولکن في فؤادي حرقة وجذوة ملتهبة تشتعل نیرانها ویستعرّ أوارها، لا تدَعني أن أتطمئن وأتصبر،  فلذا شغلت نفسي بأن تروي غلتها وتشفي علتها من الذخاٸر الأدبیة التي کانت متوافرة في محيطها وكنفها، وأروح وأغدو في الروضة العلمية الندية وألتقط منها الفرائد والفوائد، وأغوص في هذا البحر الهائج المائج، وأستخرج منها الدرر والغرر،

هكذا تمر بي الأیام، أُصبح وأُمسي، واَتدرج المراحل الدراسية درجة تلو درجة، کل ما أصابته یدي، ویعلق به بصري  ذو طابع عربي آخذه، وأشرع في مطالعته ولو کنت لاأفهم منه حرفا، غیر أن الذوق لایقدر بالعوض.

فلما کنت في الصف الخامس إذ وجدت ضالتي ونلت بغیتي، ابتسم لي الحظ وقدر الله لي هذه السعادة بأن تشرفت بالاستفادة من الأديب العملاق أستاذي المبجل حبيب الله زکریا  أدام الله ظله وکثر الله أمثاله، تقصر ألفاظي عن بیان محاسنه وتعجز کلماتی عن أوصافه النبیلة، إنه نسیج وحده، یصنع الرجال وینشئ الأفراد وله من الأدب العربي نصيب أکبر وحظ أوفر، یشرف علی قسم التخصص في الأدب العربي، درسنا عليه  أمهات الکتب الأدبية أمثال مختارات من أدب العرب، السبع المعلقات، دیوان الحماسة، واستفدت منه کثیرا في هذا الباب.

کان یمارس معنا في الدرس أسلوبا فائقا ممتازا، يستقر في أذهاننا الدرس بجميع جزئیاته بعد توقفه من إلقاء الدرس، قد لازمته سبع سنوات، وحصلت علی خیر کثیر من شخصيته الجذابة، کان يشجعني ويحفزني، ویدربني علی عملية الکتابة، ويصلح أخطائي، ويقوّم إعوجاجي، وينوّر دربي ویسوقني علیه، حتی وصلت إلی ما وصلت إليه الآن، وإن كنت لا أزال في ركب الناشئين والمبتدئین، وأنا ابن بجدتي هذا المجال، ولکن کل ما لدي باسم العربية فإليه یرجع الفضل، کتب  الله لي هذاالشرف الرفیع أنني من تلامذته، أفتخر به مدی الحیاة، والله الموفق لکل خیر وإليه المرجع والمآب۔

فھذہ قصتي مع العربية موجزة، إن تعرضت لتفاصیلها فطال الکلام وضاق المقام، أرجو أن تنال إعجابكم وتشجیعکم۔

شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2019

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
  • بواسطة: عبد السميع
  • تاريخ النشر: منذ 1 شهر
  • الزيارات : 100
وسوم متعلقة
  • #الادب العربي
  • المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
    الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
    شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2019