التكفير بين غلاة الصوفية وجفاة السلفية

رد على الغلاة والجفاة فى دين الله

 

التكفير حكم الله ثابت بنصوص الكتاب والسنة ، لا اختلاف فيه بين أصحاب الوسطية والاعتدال وبين غيرهم من الغلاة والجفاة. وإنما الاختلاف فى التطبيق ، فأصحاب الوسطية والاعتدال لا يطبقونه إلا على من تبرأ من الإسلام علنا ، والغلاة والجفاة يطبقونه على كل من خالف آرائهم وأفهامهم من المسلمين. ويوجد فى أوساط المسلمين فى أنحاء العالم تياران من أصحاب تكفير المسلمين ، وهما : التيار الصوفى الغالى والتيار السلفى الجافى. ويوجد فى أوساط أصحاب الوسطية والاعتدال أيضا رجال قليلون بالغوا فى تطبيق الكفر على المخالفين ، إلا أنهم لم يجدوا فى التكفير شغلهم الشاغل مثل غلاة الصوفية وجفاة السلفية.

لا أدعى أن لى دراية كاملة بتاريخ مرض التكفير فى المجتمعات الإسلامية ، الذى يبدو لى أن هذا المرض نشأ بين المسلمين وقت فتنة الخروج على خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان رضى الله عنه من قبل أصحاب النفاق والتعصب والتشدد والجفاء ، وانتشر هذا المرض بين المسلمين وقت خروج الخوارج على الخليفة الراشد على بن أبى طالب رضى الله عنه. حيث كفروه وخصمه معاوية رضى الله عنهما معا.

كان التكفير أيام السلف الصالح ومن بعدهم من الفقهاء والمحدثين العظام بين أهل السنة ومن خالفهم من الخوارج والروافض. لم يكن أهل السنة مكفرين للخوارج والروافض بقدر ما هم كفروا أهل السنة.

فى القرن أو المائة الثامنة الهجرية ظهر فى أهل السنة رجل كردى متشدد يقال له ابن تيمية (ت 728) ، كفَّر غلاة الصوفية وبدَّع الأشاعرة والصوفية الصالحة وادعى أنه على عقيدة السلف الصالح . إلا أنه واجه ردا قويا من علماء ملته ، حيث تم سجنه حوالى سبع مرات ، ومات أخيرا فى السجن بسبب عناده وفتواه السيئة فى مسئلة زيار قبور الأنبياء والصالحين.

علماء أهل السنة لم يكفر ابن تيمية بسبب آرائه الشاذة واعتداءه عليهم بل بدَّعوه ، لكن قوم من غلاة أهل السنة -وهم غلاة الصوفية- كفروه ، ولم يلتمس للرجل عذرا.

بعد مضى أكثر من أربعة قرون من موت ابن تيمية ظهر فى نجد -بلد قرن الشيطان- رجل متشدد وغليظ يقال له محمد بن عبد الوهاب ، هذا الرجل كفر أهل جزيرة العرب ومسلمى العراق والشام ومصر والمغرب والهند وخراسان وجميع من وجدهم على غير رأيه وفهمه للدين ، ولم يميز بين الغالى والوسطى . ولم يكتف بذلك ، بل أعلن الحرب عليهم وعلى نواب الدولة الإسلامية العثمانية على حجاز بالتحالف مع حاكم الدرعية محمد بن سعود وتطميعه بالحكم على أهل الجزيرة وأخذ أموال المسلمين غنيمة 1157 هـ.

نجح الشيخ التكفيرى المتشدد فى قتل مسلمى الجزيرة وفرض آرائه على مسلمى الجزيرة بعد نجاح حربه مع حليفه عليهم.

إلا أن الفكر التكفيرى التفجيرى المتسمى بـ"السلفية" لاذ إلى الفرار حينما قضت الدولة العثمانية على الدولة السعودية الوهابية عام 1817م ، فقد حاصرت القوات المصرية بقيادة إبراهيم باشا بن محمد على باشا الدرعية -عاصمة الدولة السعودية الأولى- وقام بهدم أسوارها وأسر الملك الوهابى عبد الله بن سعود وعدد كبير من عائلته وأنصاره ، وتم قطع رأسه فى ميدان عام فى القسطنطينية بسبب ما وصفته السلطات العثمانية حينها "بالإفساد فى الأرض".

وفى عام 1928م تأسست الدولة السعودية المرتبطة بالفكر الوهابى من جديد  بعد حروب خاضها عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ( 1902 - 1953م) وحلفائه من أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، لكن هذه المرة لم تتبع الدولة السعودية بتطبيق الفكر الوهابى التكفيرى كاملا ، فقد عارض الملك عبد العزيز تدمير قبة المرقد الشريف لنبينا عليه الصلاة والسلام ، وعارض كذلك توسيع دولته إلى العراق والشام ، الأمر الذى خالفه أتباع الوهابية المناصرين له ، فوقعت بين الملك وبينهم حروب وانهزموا فيها شر هزيمة.

لكون الملك عبد العزيز من أحفاد محمد بن سعود لم يعارض نشر الفكرة الوهابية بالطريقة السلمية بعد قيام الدولة السعودية. فقد انتهزت بقايا الوهابية المتسمية بـ"السلفية" هذه الفرصة وقاموا بنشر الفكرة الوهابية بين المسلمين ، إلا أنها لم تلق قبولا واسعا ، فقد انحصرت الفكرة الوهابية التكفيرية بين أتباعها الأقلية فى كل بلد مسلم ، وحتى فى المملكة السعودية ، حيث 80% من سكان هذه الدولة لا يؤمنون بالفكرة الوهابية التكفيرية والتفجيرية ، بل كثير منهم يعارضون الفكرة الوهابية بشدة.

تكفير السلفية بعضهم بعضا

بعد انتشار فكرة الخروج والجهاد على حكام القوانين الوضعية بين أوساط الشباب المسلم عقب إعدام المفكر الإسلامى المتشدد سيد قطب فى مصر عام 1966م نشأت طوائف جهادية سلفية تسعى لإعاد الخلافة الإسلامية على منهاج النبوة ، وكفَّر هؤلاء الدولة السعودية وأعوانها على الطريقة السلفية المتشددة التى أنشأها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، ونبزوا حماة الدولة السعودية السلفيين بأنهم علماء السلاطين وعملائهم. بل طبقوا فتوى  الشيخ المتشدد محمد بن عبد الوهاب فى حرب المسلمين "المشركين" بقيامهم بالتفجير والتدمير بين المسلمين بهدف إقامة الدولة الإسلامية المزعومة.
وأنا تعجبت من علماء الوهابية أمثال الشيخ عبد العزيز بن باز ومحمد العثيمين ومحمد ناصر الدين الألبانى حينما حذروا الشباب الجهاديين من فتنة التكفير والتفجير ونسوا فتنة تكفير كبيرهم محمد بن عبد الوهاب للمسلمين وإعلان الحرب عليهم وأخذ أموالهم غنائم بسب تعظيم قبور الصالحين عن طريق تشييد البناء عليها واتخاذها مزارات.

هذا جانب من فتنة التكفير ، وهو الجانب الأكبر والأكثر انتشارا ، والجانب الآخر من التكفير هو يخص غلاة الصوفية الذين يكفرون السلفية جملة ، بل يكفرون من لا يكفر السلفيين المزعومين. هذه الفتنة التكفيرية الصوفية توجد كل بلد إسلامى مثل الفتننة التكفيرية السلفية ، وفى شبه القارة الهندية قام بتجديد هذه الفتنة المدعو أحمد رضا خان البريلوى ، فهو مثل السلفية الوهابية كفَّر المسلمين لأسباب لا تتعلق بفروع الإسلام فضلا عن أصوله ، مثل اعتقاد علم الغيب فى النبى صلى الله عليه وسلم واعتقاد كونه مخلوقا من النور والقيام عند الصلاة والتسليم عليه فى محافل الميلاد والوعظ وطلب الدعاء من الأنبياء والأولياء الأموات وما إلى ذلك. وأتباعه بين المسلمين لا يتجاوزون 10% ، ، فهم أقلية بكل معانيها فى مسلمى الهند وباكستان وبنغلاديش. ويوجد فى بنغلاديش قوم شبيهون بالسلفية الوهابية يسمون أنفسهم "أهل الحديث" مع أن غالبيتهم لا يجيدون قرائة القرآن الكريم نظرا.

التكفير عند سلف أهل السنة

أجمع أهل السنة على عدم تكفير أهل القبلة -المصلين- بذنب ، وحتى الذين تظهر عليهم علامات النفاق والتعصب والتشدد والجفاء مثل الخوارج ، لأن النبى صلى الله عليه وسلم لم يكفِّر المنافقين والخوارج صراحة مع علمهم بأنهم شر الخلائق وذلك سدا لباب فتنة القتال بين المسلمين. قال الإمام أبوجعفر الطحاوى فى بيان عقيدة أهل السنة: "ولا نكفر أحدل من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله". وقال : "ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة".

ولهذا السبب لم يكفر علماء أهل السنة الخوارج والشيعة الزيديين والانثى عشرية الذين لم يصرحوا بتكفير كبار الصحابة ، لأنهم اتبعوا السنة حقا ، فقد ورد وعيد شديد فى كثير من الحديث الشريف على من يكفر أخاه المسلم ، وفيما يلى نورد ما تيسر لنا من تلك الأحاديث :

 عَنِ ابنِ عُمَرَ وأبى هريرة رضى اللَّه عنْهُما ، أن رَسُول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ : « إِذا قَالَ الرَّجُـلُ لأَخِيهِ : يَا كَافِر ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُما ، فَإِنْ كَان كَمَا قَالَ وَإِلاَّ رَجَعَتْ عَلَيْهِ » حديث ابن عمر : أخرجه البخارى (5/2264 ، رقم 5753) ، والترمذى (5/22 ، رقم 2637) وقال : حسن صحيح غريب. وأحمد (2/47 ، رقم 5077) وابن حبان (1/484 ، رقم 250) ، وابن منده فى الإيمان (2/601 ، رقم 521) ، والبيهقى فى شعب الإيمان (5/282 ، رقم 6664) . حدبث أبى هريرة :أخرجه البخارى (5/2263 ، رقم 5752) .

عَنِ ابنِ عُمَرَ رضى اللَّه عنْهُما ، أن رَسُول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ : « إذا كفَّر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما » أخرجه مسلم (1/79 ، رقم 60) ، والحميدى(2/306 ، رقم 698) ، وأبو عوانة (1/31 ، رقم 48) ، والبيهقى فى شعب الإيمان(1/90 ، رقم 81) .

عَنْ أَبى ذَرٍّ رضى اللَّه عنْهُ ، أَنَّهُ سمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: « منْ دَعَارَجُلاً بالْكُفْرِ ، أَوْ قَالَ : عَدُوَّ اللَّهِ ، ولَيْس كَذلكَ إِلاَّ حَارَ علَيْهِ » أخرجه البخارى(3/1292 ، رقم 3317) ، ومسلم (1/79 ، رقم 61) .

ومن غريب الحديث : ((حَارَ)) : رجع .

عن أنس رضى الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ثَلاَثٌ مِنْ أَصْلِ الإِيمَانِ : الْكَفُّ عَمَّنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ، وَلاَ تُكَفِّرْهُ بِذَنْبٍ ، وَلاَ تُخْرِجْهُ مِنَ الإِسْلاَمِ بِعَمَلٍ ، وَالْجِهَادُ مَاضٍ مُنْذُ بَعَثَنِى اللَّهُ إِلَى أَنْ يُقَاتِلَ آخِرُ أُمَّتِى الدَّجَّالَ ، لاَ يُبْطِلُهُ جَوْرُ جَائِرٍ ، وَلاَ عَدْلُ عَادِلٍ ، وَالإِيمَانُ بِالأَقْدَارِ » أخرجه أبو داود (3/18 ، رقم 2532) ، والبيهقى فى الكبرى (9/156 ، رقم 18261) ، وسعيد بن منصور (2/176 ، رقم 2367) ، وأبو يعلى (7/287 ، رقم 4311) ، والديلمى (2/86 ، رقم 2465) .

عن أبى هريرة رضى الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برًّا كان أو فاجرًا وإن هو عمل الكبائر ، والصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم برًّا كان أو فاجرًا وإن هو عمل الكبائر » أخرجه أبو داود(3/18 ، رقم 2533) ، والبيهقى فى الكبرى (3/121 ، رقم 5083) ، والطبرانى فى الشاميين (2/369 ، رقم 1512) ، والديلمى (2/122 ، رقم 2638) .

عَنِ ابنِ عُمَرَ رضى اللَّه عنْهُما ، أن رَسُول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ : « كفوا عن أهل لا إله إلا الله لا تكفروهم بذنب فمن أكفر أهل لا إله إلا الله فهو إلى الكفر أقرب» أخرجه الطبرانى (12/272 ، رقم 13089) .

عَنِ عائشة رضى اللَّه عنْها ، أن رَسُول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ : «لا تكفروا أحدا من أهل القبلة بذنب وإن عملوا الكبائر وصلوا مع كل إمام وجاهدوا مع كل أمير » أخرجه الطبرانى فى الأوسط (3/175 ، رقم 2844) .

عَنِ واثلة رضى اللَّه عنْه ، أن رَسُول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ : « لا تكفروا أهل ملتكم وإن عملوا الكبائر وصلوا خلف كل إمام وصلوا على كل ميت وجاهدوا مع كل أمير » أخرجه الديلمى (5/19 ، رقم 7320) .

عَنِ واثلة رضى اللَّه عنْه ، أن رَسُول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ : « ما شهد رجل على رجل بكفر إلا باء بها أحدهما إن كان كافرا فهو كما قال وإن لم يكن كافرا فقد كفر بتكفيره إياه » أخرجه الديلمى (4/107 ، رقم 6337) .

6 رمضان 1435هـ ، سلهت ، بنغلاديش

أبو الحسين آل غازى

مؤسس وصاحب موقع www.qoranbd.info
كاتب وطالب علم وناشط إعلامى من بنغلاديش ، مؤسس وصاحب موقع www.qoranbd.info
مجموع المواد : 4
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2019

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2019