القدس هوية الأمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الرسل وخاتم النبيين، وعلى آله وأصحابه وأتباعه أجمعين. أما بعد:
فأتقدم بالشكر والثناء والتقدير لجميع القائمين على هذا المؤتمر على دعوتي إلى هذا المنبر وأهنئهم على عقد هذا المؤتمر الذي إن دلّ فإنّما يدلّ على مشاعر التقديس والتعظيم التي يُكنّها الشعب الماليزي الشقيق خصوصاً والمسلمون عموماً لأرض مسرى نبيّنا صلى الله عليه وسلم.
إن فلسطين وبلاد الحرمين الشريفين هي كالروح مِن كلّ مسلم، ولن يتهاون أي مسلم على وجه الأرض أو يتوانى عن الدفاع عن سيادتها وأمنها واستقرارها، لذا فإن من البديهي أن نقول أن اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بالقدس عاصمة لإسرائيل وقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نقل سفارة بلاده إليها هو كاللعب بالنار وتعريض أمن العالَم أجمع إلى الخطر.
فللقدس مكانة عظيمة في نفوس العرب والمسلمين، ومنزلة كبيرة في وجدانهم، فهي أولى القبلتين، وفيها ثالث الحرمين الشريفين. وفيها مسرى الرسول صلى الله عليه وسلم، قال تعالى «سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير». وهي مهبط الأنبياء والرسل ومنها انطلاق الهداية للبشر لعبادة الله وحده. حررت في السنة السادسة للهجرة في زمن الخليفة عمر بن الخطاب. روى البخاري عن البراء بن عازب أنّ النبي – صلى الله عليه وسلم – كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده أو أخواله من الأنصار وأنّه صلى قِبَلَ بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً.
يقول أبو ذر الغفاري: قلتُ: يا رسول الله، أيُّ مسجد وُضِع في الأرض أوَّلاً؟ قال: المسجد الحرام، قلتُ: ثمَّ أيّ؟ قال: المسجد الأقصى، قلتُ: كم بينهما؟ قال: أربعون سنَة. متَّفق عليه. ويقول أبو أُمامة الباهلي: إنَّ رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – قال: لا تزال طائفة من أمَّتي ظاهرين على الحقِّ، لعدوِّهم قاهرين، لا يضرهم مَن خالفهم، حتى يأتيَهم أمر الله عزَّ وجلَّ وهم كذلك، قالوا: يا رسول الله وأين هم؟ قال: ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس. رواه الإمام أحمد. وعن ميمونة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم قالت: يا نبي الله أفتنا في بيت المقدس، فقال: أرض المنشر والمحشر ائتوه فصلوا فيه، فإن صلاة فيه كألف صلاة فيما سواه، قالت أرأيت من لم يطقْ أن يتحمل إليه أو يأتيه؟ قال فليهد إليه زيتاً يسرج فيه فإن من أهدى له كان كمن صلى فيه. رواه أحمد وابن ماجة. وقال صلى الله عليه وسلم: لا تُشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجد الرسول – صلى الله عليه وسلم – والمسجد الأقصى. وفي الحديث: الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمئة صلاة. رواه البزار.
وستشهد أرضها الملحمة الكبرى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر فيقول الشجر والحجر يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي تعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود. رواه البخاري.
أيها المحترمون، زعماءَ الأُمة وقادة الشعوب المسلمة!
إن العالَم الإسلامي شهد خلال السنوات القليلة الماضية فواجع عظيمة وأهوالاً مُدَبَّرةً ترمي إلى إضعاف جسد الأُمّة الإسلامية، والقرار الأمريكي الأخير لم يكن وليد لحظته بل كان مخطّطاً له ضمن مؤامرة حيكت لضرب مقدَّسات المسلمين.
إن ما حدث في سوريا والعراق وليبيا واليمن من حروب وما عانته باكستان وغيرها من الدول الإسلامية من الإرهاب يوضح مدى ضرورة العالَم الإسلامي إلى الاتحاد والاتفاق، فبلاد الحرمين الشريفين تتعرّض للاعتداء من قبل المتمردين الحوثيين وأسيادهم، وفلسطين والمسجد الأقصى يتعرضان لاعتداءات إسرائيلية بإشراف أمريكي، والقرار الأمريكي الحالي هو بداية بُركان وفي نفس الوقت لفت نظر وتحذير للمسلمين للائتلاف والتحالف وحل قضايا الأُمّة قبل فوات الأوان.
أيها الموقَّرون!
إنّنا في هذا التجمّع المبارك نريد أن نبعث رسالةً إلى كلّ أعداء الإسلام وكلّ من يتربّص بالحرمين الشريفين والقدس الشريفة وكلّ من يخطّط لنشر الإرهاب والتطرف في الدول الإسلامية بأن سعيكم خائب فاشل لا محالة، فالأمة الإسلامية قد استيقظت وآن لها النهوض من جديد.
وإنني كما أنتهز الفرصة لأشكر المسؤولين الماليزيين على مسعاهم النيّر والمبارك بعقد هذا المؤتمر، فإنني أُقدّم وافر التقدير والشكر والامتنان للقيادات الرشيدة للدول الإسلامية على مواقفهم الجريئة تجاه القرار الأمريكي الأخير.
ومن هذه المنصة كذلك، أحيي المواقف الثابتة الراسخة للقيادة الماليزية الرشيدة حول التحوّلات الأخيرة، وأعلن نيابةً عن "الشعب الباكستاني" أن أرواحنا وأموالنا وأعراضنا فداء للدفاع عن سيادة فلسطين وبلاد الحرمين الشريفين وسلامتها، وأنتم أيها الموقرون قادتُنا ونحن جنودكم، فما قرّرتُم نفَّذْنا.
وختاماً، أدعو جميع الدول الإسلامية للاتفاق على الاعتراف بالقدس عاصمة لفلسطين وإقامة سفاراتها في مدينة القُدس، كما أُعلِم كل من يحاول شقّ وحدة الأمة حول القضية الفلسطينية بأن القدس هي لجميع المسلمين وليست حكراً على دولة أو جماعة، وجهود مختلَف الدول العربية والإسلامية بشأنها واضحة للعيان.
جزى الله كل الحضور على هذا التجمّع الطيّب، ونصرنا الله بنصره وحفظنا بحفظه، وأدعو أن يجمعنا في المسجد الأقصى يداً واحدةً كما جمعنا اليوم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

التعليقات

اكتب تعليقك

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2018