قصة حياتي وأنا ابن اثنين وعشرين

الإنسان لايزال يركب من عمره طبقا عن طبق، فيوما بالصِبا ويوما بالشباب، وبالكهولة يوما، ويوما بالشيخوخة، و ها أنا إنسان قد أتى عليه  حين من الدهر ولم يك شيئا مذكورا، خلقني ربي فأحسن تقويمي، أبصرتُ الدنيا وأنا طفلٌ لا يفهم شيئا ثم أشاب هذا الصغيرَ كرُّ الغداة ومرُّ العَشِيِّ، فاليوم لا يخاطبه الناس مثلما كانوا يخاطبونه أمس ولا يناديه أحدٌ كما كان يناديه في الصبا، فلا أسمع رجلا يناديني : أيها الصبي! تعال هنا أو يقول لي مناديا : يا بني! خذ هذه الشوكولة، فأومن الآن بأني وإن لم أبلغ من الكبر عتيا إلا أني لست صغيرا.

 ولا عجب أن فطرة الله التي فطر الناس عليها هي أن تكون مراحل الحياة تأتي وتذهب خِلفة وتخلف إحداها أخراها، - وتلك سنة الله في الأرض ولن تجد لسنة الله تبديلا – غير أن هناك عواطف ومشاعر لا تنعدم بل تبقى أبد الدهر وتعمل عملها في ذكريات الطفولة والصبا، فقد بدا لي أنظر إلى ما سلف من عمري بعين صبيٍّ تجاوز من عمره ما لا يقلُّ من اثنتين وعشرين سنةً ـ أيام الصبا في قرية خضراء.

 تلك حياة قد خلت من قبل ولن أجد لأيامها بديلا، حياةٌ مضى بعضُها في جناح الأبوين من الرحمة وآخَرُها إما في ملعب القرية أو في طريق يتوسط بين الأشجار الخضراء والقنوات المتلألإ ماؤها، هي أيامٌ كانت تتداول بين الفرح والمشاعر الجميلة ـ تلك أحاديث ماضية قد ذهبت وانقضت، ولم يبقَ منها في نفسي سوى ذكرياتها، فلْيذهبِ الماضي بخيره وشره، وليأت لي المستقبل بما شاء الله من الخير!

 قالت أمي يومًا وأنا طفل صغير بأني ولدت يوم الجمعة عندما يذهب الناس إلى مساجدهم فأبصرت قريةً قصيرةَ الَمدى ولكنها حاويةُ البهاء، قريةً يُسمِّيْ أهلها بـ "سوناردانغا" _ وهي قرية نائية من بلادنا الحبيب "بنغلاديش" _ ـ  ففيه كُتَّابي الذي لن أنساه، وبما أن ولادتي حَدَثت في أسرة أُشربوا في قلوبهم دين الإسلام أرسلوني في نعومة أظفاري إلى كتَّابٍ يقع بجانب المسجد الجامع، لألتقي علوم الدين الابتدائيَّة .

هناك عثَرْتُ على فقيه كتابي الذي لن أنساه، كيف أنساه وقد بذل جهودَه الجبَّارة في تكوين مُستَقبلنا المنير ـ فنحن _ الصبيانَ _ كنا نراه في الصباح الباكر يقدُم من قريته النائية إلى قريتنا على درَّاجةٍ ورثها أبًا عن جد ويحضر مسجدنا الجامع قبل أن تبرز الغزالةُ من خِدْرها .

 ومما لاشك فيه أنه قد ألِف أن تكون وظيفتُه كلَّ صباح تعليمَ الصبيان فلا يصلِّي الفجر إلا وهو كادِح إلى كتابنا كَدْحا ، لا يعوْقه بردٌ باردٌ ولا يكفّه حرّ حارٌّ، فكان يدخل المسجد مدخلًا يسيرًا وينقلب إلى تلامذه مسرورا ـ أولُ كلمةٍ كان يتلفَّظ بها  بعد أن يدخلَ الكتاب : أيها التلاميذ! اصمتوا جميعا واجلسوا سويًّا. ثم جعل الأستاذ يدرِّس الصبيان ولكنهم بما لديهم مشغولون، فمن تلميذٍ يتوجَّه إلى فقيهه إلى آخر يغمِز زميله، ثم بدأ الأستاذ ينصح قائلا: أيها التلاميذ! إذا قدمتم الكُتَّاب فاندفعوا إلى الدِراسة وذَرُوا الشرة، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون.

 يا أبنائي! كل من يعتني بالقراءة ويركب طبقا عن طبق في مَجالها سيَنال درجة رفيعة آخرَ الأمر. ثم يبدأ الدرس من جديد، هكذا ينقضي وقتٌ لا بأس به ونحن لا نزال ننتظر أن ينتهي وقت الدرس، إلى أن يأتي ميعادنا المنتظر ثمّ كان يودِّعنا الاستاذ ولكننا نسارع إلى الخارج قبل أن يتوجه الأستاذ إلى الباب وعلى ألسنتنا تدوي كلمة السلام :

السلام عليكم ورحمة الله.

هكذا كنا نقضي كل يوم صباحنا في كتاب القرية لدى فقيهه. بلغتُ من عمري اثنين وعشرين وأستاذي قد بلغ من الكبر عتيا. ألا وهو فقيه كُتَّابي الذي لن أنساه .

 

معصوم بالله غلزار

أستاذ كلية اللغة العربية بمركز الدراسة الإسلامية داكا
المترجم والكاتب العربي ومعلم اللغة العربية
مجموع المواد : 6
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2019

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2019