الشعوبية.. نار قد أخمدت

كانت الشعوبيةُ نزعة من النزعات، شبّتْ نارُها في العصر العباسي الأول، وظلّت مستعرةً إلى العصر العباسي الثاني، وامتدَّت لهباتُها حتى أحاطت الشعوبَ كلَّها.
كانت الشعوبيةُ نزعة من النزعات، شبّتْ نارُها في العصر العباسي الأول، وظلّت مستعرةً إلى العصر العباسي الثاني، وامتدَّت لهباتُها حتى أحاطت الشعوبَ كلَّها. وقبلَ أن نتَتبَّع أخبارَها، لِنَرى ما هي الشُّعُوْبِيَّة؟ فالشُّعُوْبِيَّة نسبةٌ إلى الشُّعُوب، وهو مفرد شَعْب. ويُطلَق على العجم أيضاً، كما قال جمعُ المفسرين في قوله تعالى (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَّقَبَائِلَ): إنّ المراد من القبائل: العرب، والمراد من الشعوب: العجم. والشعوبية في اصطلاح المؤرّخين: نزعة في العصر العباسي تنكر تفضيل العرب على غيرهم، ونحاولُ الحطَّ من شأنهم. وكان ممّا أثارته نزعة الشعوبيّة أن قام كلّ شعب يشيد بفضائله القديمة وحضارته ومدنيّته، مُحاوِلاً الحطَّ من قدر العرب ما استطاع، وعادت الجاهلية بافتخاراتها بين الشعوب؛ فافتخر الفرسُ بسياستهم وآدابهم، و نادى الرومُ بعلومهم وفلسفاتهم، وازدانَ للهند سحرُها ومعارفُها الرياضية وغير الرياضية. وانضمّ إلى هذه الدعوة كثيرون من أبناء الشعوب الأخرى، من النبط والسريان وغيرهما، منوِّهين حميعاً بما كان بديارهم في قديم زمانهم وفي عصر آبائهم من علوم وآداب وفنون وعمارة.. وكأنها ذهبتْ أدراجَ الرياح مناداةُ الإسلام بهدم الفوارق العصبية بين القبائل، وكأن الشريعة لم تأمر معتنقيها بنبذ الحدود الجنسية بين الشعوب! فكان ممّا يعيبون العربَ به، أنّهم جهلاء لا يعرفون من الآداب شيئاً ، وطعنوا خطباءَ العرب بإمساكهم العصا حينَ الخطابة، فقالوا: «ما شأنُ الخطيب بالعصا؟»، وعدُّوا عليهم أخذَهم المخصرةَ عند مناقلة الكلام، وأنكروا تقيُّدَهم بالموزون والمقفَّى لدى مُساجلة الخصوم، ورأوا من اللَّغو قيامهم وخطبتهم عند أيّ معاقدة أو صلح أو معاهدة. مع ما عابوهم على الإشارة بالعصيّ، والاتكاء على أطراف القسيّ، وخدِّ وجه الأرض بها، واعتماد الخطيب عليها إذا مضى في الكلام. ثم زعموا فيما زعموه أن الفُرس أخطبُ من العرب، وأنّ لهم في فنّ البلاغة كتباً توارثته أجيالهم! وطعنوا أيضاً العربَ في أسلحتهم، فعدُّوها ساذجةً بالقياس إلى أسلحة الفرس والروم وما عُرفا به من التنظيمات الحربيّة وآلات الحرب المضمَّخة من أمثال المجانيق والمعرّادات. وقالوا فيما قالوا مستهزئين بأسلوب قيام العربيِّ خطيباُ: » للإيقاع، والقناة للبقار، والعصا للقتال، والقوس للرمي، فليس بين الكلام والعصا سبب، ولا بينه وبين القوس نسب، وهُما إلى أن يَّشغلا العقلَ ويصرفا الخواطر، ويعترضا على الذهن أشبه. وليس في حملها ما يشحذ الذهن، ولا بالإشارة بها ما يجلب اللفظ!» . وقالوا وكتبوا في ذلك كثيراً. ويُقال: إن زياد بن أبيه حين استخلفه معاوية خشي أن لا تُقِرَّ له العرب بذلك، فصنع كتاب "المثالب"، وعدّد فيه نقائص العرب، كما أنّ النضر بن شميل الحميري، وخالد بن سلمة المخزومي وضعا كتاباً في مثالب العرب ومناقبها، بأمرٍ من هشام بن عبد الملك، وكان الهيثم بن عديّ دعيّاً في نسبه، فصنع كتاباً طعن فيه على أشراف العرب، وأما أبوعبيدة فقد كان أبوه يهوديًّا، وكان يُعيَّر بذلك، فصنع كتاباً واسعاً مستقصياً في مثالب العرب. وجاء من بعدهم علان بن الحسن الزنديق، فألّف لِطاهرِ بن الحسين كتاباً في معايِب العرب، بدأه بمثالب بني هاشم، ثم بطون قريش، ثم سائرِ العرب، ولم يعبأ في ذلك بالخروج عن أدب الدين، وقد أجازه طاهر عليه بثلاثين ألف درهم، وصنع ابن غرسية رسالةً في تفضيل العجم على العرب، ومن أهمّ الكُتّاب الذين كانوا يترأّسون أمرَ هذه النزعة الحمقاء سعيد بن حميد بن البَختكان، وكان من أبناء دهاقين الفرس، وزعم أنه من سلالة ملوكهم،وله في الشعوبية والتعصب لقومه كتب مختلفة، منها "كتاب فضل العجم على العرب". انبرى علماء العرب لهؤلاء المرجفين، فردّ عليهم علماء الأندلس بعدّة رسائل، وكان أوفَى من ردّ عليهم هو الجاحظ وابن قتيبة، أما الجاحظ فعقد في كتابه باباً طويلاً سمّاه "كتاب العصا" صوّر فيه طعن الشعوبية على العرب في خطاباتهم، ولكي يبلغ كل ما كان يريد من إفحامهم ومقاومتهم جعل كتابَه "البيان والتبين" ردّاً مفحماً عليهم، إذ خصّصه لعرض الثقافة العربية الخالصة من الخطابة والشعر والأمثال؛ كي يرَوا رُؤية العين ما في هذه الثقافة من قسيم بلاغية وجماليّةٍ فيثوبوا إلى رشدهم!. والواقع الصادق الذي يصل بنا إليه التدبّر الصحيح في ثنايا التاريخ أنه لم يكن سبب اشتعال هاتيك النيران الشاملة الفساد إلا بُعد أولئك عن تعاليم الإسلام، وإهمالُهم ما بيّن الله لهم علةً لخلقِه الناسَ شعوباً وقبائل أنهم لا يُخلَقوا كذلك إلا ليتعارفوا فيما بينهم، وتجاهلُهم مقالة الرسول الأعظم ^ أنْ: «لافضلَ لعربيٍّ على عجمي ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى». فإلى التّقوى يا عباد الله سواءً. (للاستزادة في هذا الموضوع، يمكن الرجوع إلى كتاب الجاحظ: البيان والتبيّن بتحقيق الشيخ هارون عبد السلام، وإلى كتاب الدكتور شوقي ضيف: العصر العباسي الثاني). أسامة محمود- مدرسة ابن عباس- كراتشي

التعليقات

اكتب تعليقك

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2018