الفتيان .. قوَّادُ الزمان غداً

نداءٌ إلى كل مربٍّ وأب، وأخ وصديق، وكلِّ من يمتُّ إلى هذا الفتى بصلة، أن يراعي حقّه، ويدرك خطورة مسؤوليته، ويرحم على هذا البريء الطاهر، المحتاج إلى عنايتكم واهتمامكم، وأن يحاول أن يكون أهمَّ عاملٍ في بناء مستقبَله المجيدِ، ودنياه وأخراه..

فتى في مقتبل الشباب، ممتلئ حيوية، متطلع إلى العالَم بتساؤلات جديدة، لم يكن له بها عهد من قبل، في عينيه براءة الطفولة التي قد تخطّاها، وعلى فمه بسمة الشباب القادم، تقدِرُ أن تُجَندِل كلَّ المصاعب، إذا شخَصَ إلى المجد ببصره أوشك أن يخفض له جناحَه استعظاما لنظراته البارقة بالطموح.. يجمع بين قداسة الصِّغر، وحرارة الشباب، والذهن المتوقد، والذوق الصافي صفاءَ روحِه الطيبة..

تربّى على أيدي مسلمة وتحت رعاية أم حنون وأب شفيق، وترعرع في مغاني الطفولة مع الأخوات اللطيفات والإخوة الأبرياء، فبلغ الحُلم ولم يعرف معنى الإثم، ولا ذاق مرارة العصيان، ولم يألف إلا الرأفة والحنان، وحبَّ المعرفة وبغضَ الجهل، فعشق العلم والأخلاق الفاضلة، وآدابَ مذهبه السامي، وأخلاقَ رسوله الحبيب المصطفى المختار صلى الله عليه وسلم.. الذي قد امتزجت محبته بلحمه ودمه..

سمع من أمه قصصَ البطولة الخالدة التي كتبها له آباؤه بدمائهم الزكية، ومآثر أسلافه القيمة في ميادين الحياة، فتاقت نفسه إلى انتهاج منهجهم في الحياة.

تطلع الفتى؛ فرأى رجالاً تتراءى من قمم المعالي.. في أعلى أعاليها، فوثب قلبه الصغير، وانساب خياله فعبر سنيناً بعد سنين، وكأن الأعوام كانت ممدّدة فتقلّصت بما فيها حتى صارت كخطفة البصر، ليجد الشابُّ الطَّموح نفسَه قد ارتقى سُلَّم الفضيلة في لمحِ البرق، واصطفّ مع أولئك الرجال في سُدَّة الشرف والكرامة، يعلوه وقارُ العلم، وتحيط به هيبةُ العلماء، ورأى هالةً من نور التفَّتْ حوله لِتُضيفَ عليه سِيما الصلاح..

هَجْهَجَ الفتى خيالَه ليرجع به إلى حاضره، ولكنّ صورة أولئك الأعلام تشبّثت بمخيلته بكل ما حَوَته. رأى ذلك منه أبواه وأفرادُ أسرته فأتوا به إلى المدرسة الشرعية؛ لكي يتعلم معالم الدين الحنيف، وينهل من معين العلوم الصافي علومِ آبائه وأجداده الأوّلين.

دخل عالمَ المدرسة ونفسُه تتطلع إليه.. فإذا هو أمام دنيا غير دنياه التي خَلَّفها وراءه، و وجد نفسَه أمام أشياء لم يعهدها من قبل، فجذبته إلى نفسه منها أشياء، وحيّرتْه أشياء، وألفى أشياء ليس لديه بها علم إلا كعلم الأعمى الذي وُلد مقبوضاً بصرُه إذا سألتَه أن يصف لك اللون الأبيض.

فتلفَّت الفتى الحائر، وأدار بصرَه ليجد من يرحم على سذاجته، فيبيّن له مسالكه التي يجب أن يسلكها في الحياة، ويرشده إلى ما تكنّه له الدنيا من الرزايا والعطايا.. فرأى في أساتذته خيرَ مرشدٍ، وأفضلَ صديقٍ، وأحسن بديلٍ لأبيه الذي تركه في البيت..

وتدبّر؛ فإذا هو يرى أناساً معه يتّجهون اتجاهَه، يرافقونه في رحلة العلم، منزلهم منزله، ومطمحُهم ما طمح إليه قلبُه، خرجوا مثلما خرج يستكشفون أغوار الحياة، ويتعرّفون عليها بمداخلها ومخارجها، ومواردها ومصادرها. فأراد الفتى أن يسير معهم يداً بيدٍ؛ عسى أن يكون فيهم من يشدّ على يده، فيستعين به ويعينه على أخطار الطريق ومشاقّ السفر؛ إذِ الغاية مشتركة، والطريق واحد.

أيها القارئ الكريم! إذا دُرتَ ببصرك فيما حولك، تجد فتيانا عدّة على الصفة التي وصفتها لك، فانظر ما ذا أنت مساهمٌ به في بناء هياكل شخصياتهم التي سيعيشون معها في مسيرتهم على طريق الحياة، أخي الكريم! ليسَ قُوّاد سفينة النجاة غداً إلا هؤلاء، فلا تُهمِل أمرهم، فهم أجدر بالعناية وأجدى على الأمة من غيرهم، فعسى أن تبلغ بهم عواملُ تكوين شخصياتهم إلى سيادة الأمة في القادم، فكُن أحد العوامل في ذلك!

فإن كنت تربطك بهذا الفتى علاقةُ الأبوّة، فلله نصيبُك! لقد بارك الله لك في عمرك حين جعل لك من حياتك هذه حياةً أخرى جديدةً، ولعلّ ابنَك هذا استئنافٌ لحياتك الماضية لِيتمِّم لك آمالَك التي لم تستطع الوصولَ إليها.

فاهتم به اهتمامَك بحياتك بل أكثر، ولا أجد في نفسي حاجة في أن أكون لك كدليل في تربية ابنك، فالأبوّة بذاتها وما يتفجّر منها من شفقة وحنان، معلّمة للإنسان كيف يقوم بتربية فلذة كبده. فلا أقول إلاّ أن اطلب له الرشد والتوفيق من المربّي الأكبر، فهو أدرى بما له وعليه.

أما إن كنتما مرتبطين بعلاقة الأستاذ والتلميذ، فما أعظمَ مسؤوليتك! فأنت له بمثابة قارب النجاة، فإنه كلما تنتصب حيالَ طريقه علامةُ استفهام، أو تلوح له معضلة، يرى فيك بعد الله معنى استمداد القوّة للقضاء على العوائق، ومصادمة العَقَبات في سبيله إلى المعالي..

أخي القارئ الكريم! إلى مثل هذا الفتى يتوق قلبُ كلِّ معلِّم جهبذ في مجاله أن يكون تلميذَه؛ فينقل إليه عُصارةَ تجاربه، وينحله مناجمَ علمه، ليكون له ذكراً خالداً في الحياة، وذخراً تالداً بعد الممات. وإنك إن رجعت إلى التاريخ فاستعرضتَه، طالعتكَ أيادي غير خاملة في بناء كلِّ عَلَمٍ من أعلامِه، وهو سنّة الحياة في المخلوقات، أنه لا ينجب الشبلَ إلا الأسد! وأبعدَ كلَّ البُعد، من رأى أن الأكبرَ سنًّا أولى باهتمام الأستاذ ممن لم يجاوز رأسَ الحداثة؛ معلِّلاً مذهبَه بأن ذوو السن الكبير أكثر إدراكاً للمسؤولية التي على عاتقهم،  وأكثر تأثراً بشخصية الأستاذ وما يلقيه إليه.

والطريق الأَولى أن نسلُكَه هو ما سلكه عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ذلك، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان عمر يأذن لأهل بدر، ويأذن لي معهم، فقال بعضهم: أتأذن لهذا الفتى، ومِن أبنائنا من هو مثله؟! فقال: إنه ممن علمتم -يشير إلى مكانته من رسول الله نسباً وحظوة- يقول: فأذن لهم يوماً، وأذن لي معهم، فسألهم عن هذه السورة: (إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا)، فقالوا: أمر الله نبيّه عليه الصلاة والسلام إذا فتح الله عليه، أن يستغفر وأن يتوب إليه. فقال لي: ما تقول يا ابن عباس؟ قلت: ليس كذلك، ولكنه أخبر نبيّه بحضور أجله، فقال: (إذا جاء نصر الله والفتح) فتح مكة. (ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا) أي: فعند ذلك علامة موتك. (فسبح بحمد ربك واستغفره، إنه كان توّابا). قال: فقال لهم: كيف تلوموني عليه بعدما ترون؟

(أخرجه البخاري في مواطن من صحيحه، منها في التفسير، تفسير إذا جاء نصر الله، وأخرجه الترمذي أيضا في التفسير برقم (3362).

وإلى هذا أشار أحدهم حين قال:

إنّ الحداثة لا تقصّـ      ـرُ بالفتى المرزوقِ ذِهناَ
لكن تُذكِّي قلبَه      فيفوق أكبرَ منه سنَّا

وعن يزيد بن أبي حبيب، أن الحسن البصري قال: "قدّموا إلينا أحداثكم، فإنهم أفرغ قلوباً، وأحفظ لما سمعوا" (الجامع للخطيب). وقال سعيد بن رحمة الأصبحي: "كنت أسبق إلى مجلس عبد الله بن المبارك بليل، مع أقراني، لا يسبقني أحد، ويجيء هو مع الأشياخ. فقيل له: قد غلبنا عليك هؤلاء الصبيان. فقال: هؤلاء أرجى عندي منكم، أنتم كم تعيشون؟ وهؤلاء عسى الله أن يبلغ بهم"

(المحدث الفاصل، ص 194، للرامهرمزي، دار الفكر-بيروت، ط3)

وهي ثلاث صور مما مضى في أسلافنا في شأن الحداثة، كانوا يتوسّمون في الأحداث النجابة والحفظ والفهم، فيقدمونهم على الآخرين؛ لعلّ الله أن ينفع بهم الأمة. ولئن ذهبت أستقصي أخبارهم في ذلك لجاء منها جزء كبير مستقل.

وفترة الحداثة من أعمار الطلاب، فرصة لاستغلال مواهبهم، وإن سن الحداثة من أهم مراحل أعمار الإنسان، فهو فيها ليّن الشخصية والفكرة، فارغ البال، مثل الأرض التي قد هُيِّئت للبذر فيها، سريع التأثر بما يُلقى إلى ذهنه.

فأيها المعلم! ارعَ قداسة الصلة القوية اللطيفة التي تربطكما معاً، فأنت له أب وصديق وأخ، وأنت له السلم الذي يرتقي به إلى مطامحه، ألا ترى عينيه كيف تشفّّانِ لك معاني الأدب والاحترام.. ألا تشعر بأحاسيسه البريئة نحوك وهو بين يديك تُلقي إليه كلمات العلم، فيبتدرها وكأنها لآلئ. فأحسن إليه وأحكِم تهذيبه، وتطرَّق في ذلك إلى جميع فنون التربية، وأساليب التعليم؛ فأنت أكبر عامل في بناء هذا الفتى الذي سينتصب غداً جبلاً شامخاً للعلم والصلاح، وسيكون بمثابة أمة وحده، ووالله لئن أخطأتَ تربيتَه فكأنما حرمتَ الأمةَ الخيرَ الكثير! وليس هو ضياع حياةٍ واحدة فحسب، بل موتُ أمة كُتِبَ لها أن تحيا و تُحيِيَ!

بيِّن له مهمتَه ومسؤوليّتَه التي سيوشك أن تُلقَى على عاتقه، وأبرِز مكنونَ جواهره بمهاراتك التربوية، واجعل من هذا الشبل أسداً هصوراً يناضل عن الإسلام، ويدافع عن شعائره وحرماته، ويحيا ويموت من أجل الدين.

فإن راعيتَ حقَّ الأمّة عليك في هذا الفتى فغيرُ بعيدٍ أن يرفع الله شأنك في الصالحين المصلحين، ويحشرك ولك جميع مااكتسبَته حصيلةُ يدك من الخيرات، فضلاً عما يكون لك من ذكر حَسَنٍ في الأولى والآخرة إن شاء الله، ولك في السلف أسوة حسنة في ذلك.

أيها القارئ الكريم! هل يسرّك منظر ولدٍ كان من حقّه علينا أن نوطِّي له الطريق إلى غايته، ونستشعرَ إحساسه فنُعينَه، واقفاً في حاشية الحياة ضائعاً تائها، قد أهملته أعينُ المراقبين، فاختطفته قُطَّاعُ طريقِ الفكر، وعبثوا بذهنه وأفكاره فحوّلوا اتجاهها إلى التخريب، وهوّنوا له أمر الفساد فعرضوه له في ثوب الصواب، فحملَ لِواءَ الفساد، وجاء بالشرِّ المستطير، وكان عَوناً على الحقِّ للباطل، ورجعَ في الأشواط الأخيرة من حياته رائداً للمفسدين في الأرض! فمن ذا سيُسأل عنه في يوم العرض الأكبر، ألسنا نحن -أفرادَ بيئته ومرافقيه في أوائل رحلته- المسؤولين؟! على أننا أغفلنا أمره، وحسِبنا شأنه تافهاً، فإذا هو قد عاد أدهى شأنٍ وقف لنا بكل خطورته، أوَ ليس من حق هذا الفتى المسكين حينئذٍ أن يُّناشد ربَّه في مطالبتِنا عن عمره الذي كنا أوَّلَ مفسديه! فماذا الجواب آنذاك ياترى؟! فنداءٌ إلى كل مربٍّ وأب، وأخ وصديق، وكلِّ من يمتُّ إلى هذا الفتى بصلة، أن يراعي حقّه، ويدرك خطورة مسؤوليته، ويرحم على هذا البريء الطاهر، المحتاج إلى عنايتكم واهتمامكم، وأن يحاول أن يكون أهمَّ عاملٍ في بناء مستقبَله المجيدِ، ودنياه وأخراه.. والله المستعان! _______ أسامة محمود، مدرسة ابن عباس كراتشي.

التعليقات

اكتب تعليقك

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2018