شيخ الحديث العلامة إحسان الحق السنديفي؛ سِيرة ومسِيرة

إن الحديث عن الكبار يجمُل بأقلام الكبار، حيث يُحسنون صياغته، ويتقِنون حياكته، فتترابط حبّاتُه، وتتناسق فصوصُه، فتبرُز من خلالها حياةُ الكبير في صورتها الأصيلة وطلعتها البهيجة، فيتجاوز أثر الجمال والبهاء إلى قلوب القراء والسامعين.

               إن الحديث عن الكبار يجمُل بأقلام الكبار، حيث يُحسنون صياغته، ويتقِنون حياكته، فتترابط حبّاتُه، وتتناسق فصوصُه، فتبرُز من خلالها حياةُ الكبير في صورتها الأصيلة وطلعتها البهيجة، فيتجاوز أثر الجمال والبهاء إلى قلوب القراء والسامعين.

                غير أن هذا لا يعني أن حديثهم لا يمكن أن يسطَّر بأقلام الصغار، بل يتأتى ذلك ويمكن، شريطة أن يكون الهدف من وراءه التعرف عليهم للتأسّي بهم، وهذا وجه كتابة الصغار عن الكبار في نظري.

ومن هنا أحاول أن أرسم صوراً عن حياة علَم من أعلام ديارنا المعاصرين، ألا وهو شيخ الحديث العلامة إحسان الحق بن شيخ الحديث العلامة عبد الودود بن غازي أبصر الدين سَرْدارْ السَّنْديفِي رحمه الله تعالى، واللهَ تعالى أسأل أن يفيض رحماته وبركاته على كاتب هذه السطور وقارئها ومن قال: آمييين.

الأصول والجذور

                ترجع أصول الشيخ إلى العرب الأقحاح، حيث إن أحد أجداده الأوائل سافر إلى هذه الديار من يمن الإيمان والحكمة داعياً إلى الله تعالى، واتخذ من مدينة شيتاغونع ميدان دعوته ومحل عمله، وقد سكن بعض أفراد أسرته بمنطقة دِيَانغْ فَهارْ الواقعة على الشط الغربي لنهر كورْنُو فُولِي، ومنها انتقلوا فيما بعد إلى جزيرة سَنْديفْ السابحة في مياه خليج البنغال.

اشتهرتْ أسرة الشيخ بالصلاح والتدين والورع والتقوى وحب الخير للغير والعلم والدعوة، حيث كان والده العلامة عبد الودود رحمه الله تعالى أحد أركان علم الحديث النبوي الشريف في ديار البنغال، كما كانتْ والدته حافظة النور خاتون امرأة صالحة عابدة، اشتهرتْ بالديانة والصلاح والتقوى وحبها للعلم والعلماء وطلبة العلم.

الأسرة والمولد

                في هذه الأسرة العريقة وُلد مترجَمنا في حدود سنة 1338هـ الموافق 1920م، هذا المولود الذي قدَّر الله تعالى أن يكون له مستقبل باهر زاهر، ويكون هو جزءاً من تاريخ العلم والدعوة والإرشاد في هذه الديار، وكان رابعَ تسعة من بين أولاد والديه، يكبُره أخوان وأختٌ، ويصغره أربعة إخوة وأختٌ.

نشأ في كنف والديه الكريمين، وترعرع أمام أنظارهما المنبِّهة المنتبهة، فجمع بين صفات قد تبدو متناقضة في ظاهر الأمر، حيث دمج بين الغيرة الدينية والسماحة الاجتماعية، وبين الاستسلام التام لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم والعقلانيَّة الباحثة عن مقاصد  الشرع العظيمة، وبين الشجاعة القروية والدماثة المدنيَّة، وبين البكاء والتأثر والظرافة والطرافة، وبين النظافة الشديدة وعدم الترف والإسراف، وبين الاهتمام بالظواهر والرعاية بالبواطن.

الدراسة والتربية

                بدأ الشيخ دراسته الأولية في بيته على يد الشيخ صوفي عبد الحق رحمه الله تعالى، ثم انضم بمدرسة أشرف العلوم، ودرس بها اللغة الأردية والفارسية، ثم التحق بمدرسة دار العلوم شارِيْ كَيْتْ، وأتم فيها دراسته الابتدائية والإعدادية، ثم سافر إلى الجامعة العربية الإسلامية بجِيري، التي كان والده شيخاً للحديث النبوي الشريف بها، وتخرج فيها بتفوق وامتياز في حدود عام 1950م، ثم حمل الشيخ عصا الترحال، واتجه إلى دار العلوم بديوبند بإيعاز من والده الكريم.

سافر إلى ديوبند، والتحق بقافلة طلبتها، وغاص في بحار العلوم المختلفة تحت إشراف أعلام الهند الكبار في تلك الحقبة من الزمن، وقد تشرف بالتتلمذ على يدي المحدث الكبير والمناضل الشهير العلامة السيد حسين أحمد المدني، وشيخ الأدب والفقه العلامة إعزاز علي الأمروهي، والعلامة محمد إبراهيم البلياوي، والعلامة معراج الحق الديونبدي، والعلامة السيد فخر الحسن المراد  آبادي وغيرهم، وتخرج منها بتفوق واميتاز عام 1372هـ الموافق 1952م، ثم كفل راجعاً إلى أرض الوطن.

                ألقى الله تعالى في قلب الشيخ حبه وسلوكَ درب محبيه، فبايع في ريعان شبابه على يد العلامة حسين أحمد المدني، ثم بايع على يد الشيخ عبد المعبود اللاهوري، تلميذ الإمام الحاج إمداد الله المهاجر المكي، كما بايع على يد العلامة أسعد بن حسين أحمد المدني.

                وقد أجازه في السلوك كل من الشيخ اللاهوري والشيخ أمين الحق القاسمي، والشيخ أسعد المدني، فغدا فارساً في الميدانين؛ العلمي والعملي، حيث جمع بين العلم الذي يهدي إلى سبيل الرشاد والتزكية الباطنة التي كانتْ إحدى الركائز الأربعة للبعثة المحمَّدية، على صابحها ألف ألف صلاة وتحية، وذلك فضل الله تعالى، يؤتيه من يشاء من عباده، فكان لهذا المزح أثره الكبير في حياة الشيخ القابلة.

التعليم والمشيخة

                عاد الشيخ إلى أرض المنبت والمنشأ، وحطَّ عصا الترحال عندها، فعيِّن أستاذاً للحديث النبوي الشريف والفقه والأصول والمنطق والفلسفة في الجامعة الإسلامية بفَتية، وقام بمهمة التدريس بها لسبع سنوات كاملات، حاز من خلالها القبول والاستحسان من الأوساط العلمية، حيث كان للشيخ أسلوب ممتاز في شرح عويصات المسائل بغرائب الأمثلة ونوادر التشبيهات، وكان له تأثير كبير في قلوب طلابه وتلاميذه.

وفي عام 1959م زاد السياسي الشهير العلامة أطهر علي جامعة فتية، واستمع إلى إحدى محاضرات الشيخ فأعجب به، وطلب من رئيس الجامعة العلامة المفتي عزيز الحق رحمه الله تعالى أن يرسل الشيخ إحسان الحق إلى جامعته: الجامعة الإمدادية بكيشُورْغنْجْ.

                سافر الشيخ إلى هناك وتولّى تدريس جامع الإمام الترمذي وغيره بها لمدة تسع سنوات، ثم درّس في الجامعة العربية إمداد العلوم كبير فور لمدة خمس سنوات، وسافر بعدها إلى باكستان الغربية بهدف الدعوة والإرشاد عام 1971م، وعاد إلى بنغلاديش عام 1973م، فطلب منه شيخه العلامة المفتي نور الحق أن يتولى مشيخة الحديث بالجامعة العربية، جيري، فاستجاب لدعوته.

غير أن الشيخ رفض قبول شياخة الحديث بها لوجود العالم الجليل السياسي الشهير العلامة صديق أحمد الملقَّب بالخطيب الأعظم، فتولى تدريس جامع الإمام الترمذي بها، ثم درّس فتراتٍ مختلفة في كل من الجامعة الأحدية ببَاريْ غِرَامْ، والجامعة الحسينية بأرزاباد، والجامعة الغفورية بإسلام فور، وجامعة العلوم الإسلامية بلالْخانْ بازارْ، وتولى في جميعها شِياخة الحديث.

                وفي عام 1415هـ طلب تلميذه الوفيّ الأديب الكبير ورائد إصلاح التعليم الإسلامي في بنغلاديش العلامة محمد سلطان ذوق الندوي من الشيخ تولّيَ مشيخة الحديث بجامعته الشهيرة، جامعة دار المعارف الإسلامية بشيتاغونغ، فقبل الشيخ طلبه، وتولّى مشيخة الحديث بها، واستمر عليه حتى وفاته في 1437هـ.

في ميدان الدعوة والتربية

            لم يحبس الشيخ نفسه بين جدران الجامعات التي درّس فيها، كما لم يعزل نفسه في صومعة العبادة بعيداً عن مشكلات العامة، بل عاش همومهم وغمومهم، واهتم كثيراً بشؤونهم، وقام بإرشادهم وتزكيتهم وتعليمهم، ودعوتهم إلى الإسلام الصحيح، وتذكيرهم بالله تعالى، وأهمية الرجوع الكلي إلى الإسلام، وما ينفعهم في دينهم وديناهم.

      كما ناظر أهلَ البدع والخرافات، وجادلَ رهبانَ النصارى و قساوسةَ الهندوس وغيرهم بقصد دعوتهم وقومهم إلى الدين الإسلامي الحنيف.

          وقد كان لجهوده أثرٌ كبير في شريحة كبيرة من الناس الذين استفادوا من علمه ووعظه وإرشاده وتربيته.

التلاميذ والأسرة

                قضى الشيخ قرابة سبعة عقود في مجالي التعليم والتربية، وقد تخرّج خلالها آلاف مؤلفة من طلاب العلم والعرفان على يديه، كما شارك في إعداد كوكبة متميزة من العلماء الذين غدوا أعلاماً في ميدان الدعوة والتعليم والتربية والسياسة فيما بعد، من أشهرهم: العلامة محمد سلطان ذوق الندوي حفظه الله تعالى ورعاه، المدير المؤسس لجامعة دار المعارف الإسلامية، ورئيس المكتب الإقليمي لرابطة الأدب الإسلامي العالمية، والعلامة محمد هارون الإسلام آبادي رحمه الله تعالى، المدير الأسبق للجامعة الإسلامية بفتية، وفضيلة الشيخ محمود الحسن حفظه الله تعالى ورعاه، مدير الجامعة المدنية بجاتراباري، ورئيس مجلس دعوة الحق الدعوي، والمحدث الكبير عبد الحق رحمه الله تعالى، خطيب الجامع الكبير بمومن شاهي، وفضيلة الشيخ عطاء الرحمن خان رحمه الله تعالى، المدير الأسبق للجامعة الإمدادية بكيشو غنج، وعضو مجلس الشعب الأسبق وغيرهم كثيرين.

                كما ترك الشيخ وراءه أسرة علمية وذرية طيبة، حيث خلّف وراءه زوجتين صالحتين، وستة أولاد ذكور، جلهم علماء بارزون في مجال التعليم والدعوة والتربية والتحقيق، على رأسهم فضيلة الشيخ المفتي محمد كفاية الله، أستاذ الحديث والفقه بالجامعة الأهلية دار العلوم، هاتهازاري، وفضيلة الشيخ محمد ثناء الله الندوي، أستاذ الحديث والفقه والأدب بالجامعة الإسلامية فيروزشاه كولوني، والمفتي محمد معصوم، أستاذ الحديث والفقه بجامعة دار المعارف الإسلامية، كما ترك سبع بنات مثقفات متدينات.

الرحلة الأبدية

                عاش الشيخ حياة حافلة مباركة امتدّتْ قرابة 97 عاماً، وأفاد خلالها الخواص والعوام من المسلمين وغيرهم، وقام بخدمات علمية وعملية ودعوية عظيمة، وقد ملأ البلد شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً بتلاميذه الذين استقوا من منهل علمه، واستفادوا من معين تربيته.

وأخيراً استأثرتْ به رحمة الله تعالى يوم السبت 9 جمادى الثاني 1437هـ الموافق 19 مارس 2016م في مستشفى الأم والطفل بمدينة شيتاغونع، وفاضتْ روحه إلى رفيقه الأعلى، الذي كان يحنّ إلى لقاءه، ويتوق إلى مرضاته.

                صلّى عليه جم غفير من العلماء وطلبة العلم وعامة المسملين في اليوم الوالي بميدان جمعية الفلاح، شيتاغونغ، ثم وُوري جثمانه التراب في مقبرة دار المعارف الإسلامية، حيث كان يجلجل دوي صوته بـ"حدثنا، وأخبرنا، وأبنأنا، وسمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عن فلان وفلان وفلان ...".

نعم!

إلى هنا توقف كل شيء!

توقف الصوت الذي طالما غرّد بأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم...

وتوقف الحديث الذي كان يروي غليل سامعيه...

وتوقفتْ الحياة التي نسجها قرن كامل من الزمن بأزهار ورياحين من مختلف الحدائق والجِنان...

وانقطع حبل القصة الشجية التي ريثما حداها الحُداة، ورواها الرُواة...

وأفل النجم الذي طالما تلألأ في سماء العلم والمعرفة والعرفان والتربية والدعوة والإصلاح، والوعظ والإرشاد.

          سقى الله تعالى قبره بشآبيب الغفران وسحائب الرضوان، وجعله روضة من رياض الجنان، وجعل الفرودس مثواه، وألحقنا به في مستقر رحمته ودار كرامته بفضله الواسع وكرمه الجزيل، آمييييين.

 

(منشور في تذكارية كاروان الصادرة من خريجي جامعة دار المعارف الإسلامية، شيتاغونغ، بنغلاديش، 1439هـ).

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2018