حسبنا كلام الله.. كلمة حق أريد بها الباطل

الحمدلله رب العالمين و الصلاة و السلام على رسوله الكريم محمد و آله وصحبه أجمعين.

أما بعد!

هذه فتنة قديمة نشأت مرة أخرى في هذا الزمان على يد العلمانيين و المتمردين من المسلمين الذين يريدون أن يقدّموا بين يدي ساداتهم أَهْلِ الغرب صورةَ الإسلام الذي يوافقهم في مأكلهم و مسلكهم و مشربهم و ملبسهم و منامهم و يقظتهم موافقة كلية. لكنهم علموا في برهة قليلة من الزمن أن حصول رضى ساداتهم مستحيل حتما مع وجود الأحاديث الصحيحة و السنة المطهرة الثابتة في كتب الأحاديث و السيرة التي تفسر القرآن و تشرحه بحيث لا تسمح لهم مجالا البتة لإخراج معانٍ من القرآن حسب مزاجهم المشوه. فما كان لهم إلا أن قاموا بإيقاع الشك و الريب في صحة الأحاديث والسنة المطهرة.

فمنهم من أنكروا الأحاديث بأجمعها و صرحوا بإنكارها و منهم من أنكروا تلك الأحاديث فقط التي لا تشبع ساداتهم و منهم من أوّلوها بما لا يرضى به قائلها. والكل يقول إن القرآن كلام الله الذي لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه و أن الله تحمل مسؤولية حفظه و صيانته بنفسه حيث يقول في محكم تنزيله "إنَّا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" و أنه مصون من أن يتطرق إليه شك أو يرتاب في صحته أحد لنقله إلينا بالتواتر جيلا بعد جيل من غير انقطاع.

أما الأحاديث و سنن النبي صلى الله عليه و سلم المطهرّة نُقل إلينا معظمُها بخبر الآحاد التي تركّبُ من صحيح و سقيم فلا يستقيم العمل بما لم يثبت نقله موثقا.

فلما انتهوا من هذه الدعاوي الباطلة الضالة اتخذوا القرآن هدفا للوصول إلى أفكارهم المنحرفة بأعاجيب التفسير الذي لم يؤمر فيه المسلمون بإعفاء اللحية و رفع الإزار عن الساق و وجوب الصلاة مع الجماعة و جهد إقامة الدين على مستوى الحكومة و الإعتناء بالتراويح و قيام الليل و الاجتناب عن مصافحة النساء و الاختلاط بين الجنسين في المجالس و المحافل و عدم ثبوت الحجاب للنساء و عدم إذن السفر لهن من غير محرم وجواز الأغاني واتخاذ آلاتها وغير ذلك من الأمور التي لم يبينها الله عز وجل في كلامه بيانا شافيا كافيا واضحا مفصلا في الوحي المتلو فقط بل أرسل رسوله عليه السلام معه لبيان ما فيه اختصار و لتفصيل ما فيه إجمال و لتوضيح ما فيه إبهام و لشرح ما فيه إيهام. فلا غناء منه صلى الله عليه وسلم أبدا.

أهدافهم الحقيقية أن تقع الأمة في شك في معنى القرآن و فهمِه الذي تفسره و تشرحه السنةُ و الأحاديث، و من ثمّ يحوّلونهم إلى معاني القرآن التي تبينها عقولهم الزائغة ما تقنع به شهواتهم النفسانية. يا للعجب و لضيعة الأدب! كأنهم يتوقعون من الأمة قاطبة أن تقبل تفسير كلام الله الذي فسروها من عقولهم و ترفض ما فسرها المحدثون و الفقهاء و أصحاب السير من الطبقة الذين زكاهم رسول الله عليه السلام بقوله "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم".

ذكر البيهقي في السنن قصة تؤيد ما نحن فيه أن الإمام الشافعي رحمه الله قال يوما لجلسائه إنكم لا تسألوني عن شيئ إلا أخبرتكم عنه بكتاب الله فقال بعض المتنطعين الذين يريدون أن يحرجوا على هذا الإمام الكريم. ما حكم المحرم إذا قتل الزنبور؟ فتبسم الإمام و قال: لا شيئ عليه. فقالوا أين هذا في كتاب الله؟ فقال: قال الله تعالى "وما آتَاكُم الرسول فَخُذُوه و ما نهكم عنه فَانتَهُوا" ثم ذكرا إسنادا إلى رسول الله عليه الصلاة السلام أنه قال "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر و عمر" ثم ذكر إسنادا إلى عمر رضي الله عنه أنه حكم بأنه لاشيئ عليه.

فيجب علينا التنبه التام من دعاة الضلالة و الفتنة الذين يدعون الناس إلى كلام الله فقط و يستغنون عن أقوال رسول الله صلى الله عليه و سلم و سيرته المباركة. ويخدعون الناس بأن القرآن كافيهم. و يقولون إن ما حرم الله في القرآن فهو حرام ولا مزيد في ذلك شيئا من الأحاديث و السنة المطهرة لأنها تضيق ما فيه سعة.

و الحقيقة أن الباطل يكره أن يكون للإسلام و المسلمين هوية يمتازون بها عن غيرهم. وحصول هوية متميزة للمسلمين لايمكن إلا باتباع الرسول عليه السلام في سيرته و صورته و سريرته. وكما انه عليه السلام علّم أمته المرحومة العبادات كذلك علمها الأخلاق و الآداب و حسن المعاشرة و المعاملات و القضاء و السياسة و طريقة الأكل و الشرب و النوم و اليقظة ما تؤدي إلى هوية مخصوصة و شخصية منفردة متميزة للمسلمين عن غيرهم.

فعلينا الاعتقاد الجازم أن كل ما حكم به رسول الله عليه الصلاة والسلام فيما نقل إلينا عنه بواسطة ثقة فهو حق ثابت كالقرآن و إلا لبقي ديننا اسما لمجموعة من العبادات الظاهرة فقط ولا يكون نظاما كاملا لدستور حياتنا الانفرادية و الاجتماعية. وهذا ما يبغيه القرآنييون من قولهم "حسبنا كلام الله".

والمسلم ينبغي أن يكون ذكيا فطنا متوقد الذهن لئلا يخرب عليه دينه وإيمانه هؤلاء الظلمة الطاغية الذين ليس لهم نصيب من حب الرسول عليه الصلاة و السلام و العلم الذي جاء به من عند الله جل وعلا من تلوّن ألسنتهم و لين كلامهم و كذب بيانهم.

وصل اللهم وسلم على نبينا محمد و آله و صحبه أجمعين.

التعليقات

اكتب تعليقك

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2018