أخذ الأجرة على رواية الحديث

كان من السلف من يأخذ الأجرة على التحديث، وما هم بقليل، والباعث لهم على ذلك اشتغالهم بالتحديث، فشَغلَهم ذلك عن اكتسابهم المعايشَ

عَلِّمْ مَجَّانًا كَمَا عُلِّمْتَ مَجَّانًا، وَلَكِنْ ...

صَدَق الرسول ﷺ إذ قال: «كاد الفقر أن يكون كفرا». والفقر والإملاق يعملان في حياة الحرِّ ما يجره إلى بسطِ الوجه ولينِ الجانب إلى الخلق، والتواضعِ لدى الملوك والأمراء، فلو غرق في لجج العيال لم يفترَّ عن السؤال، فأخذ يطوف على الطرقات يتكفف الناس.

ومن الأحرار من يسلك مسالك أولئك، لا للفقر، بل من أجل أنهم لا يقدرون على التكسب، كأن تعوقهم عوائق يعسر معها القعودُ في الحوانيت والجولةُ بين التجار بأمتعتهم.

وهكذا تماما بعضُ المحدثين، كان من السلف من يأخذ الأجرة على التحديث، وما هم بقليل، والباعث لهم على ذلك اشتغالهم بالتحديث، فشَغلَهم ذلك عن اكتسابهم المعايشَ، فنهض بعض العلمـاء لجرح أولئك الرواة فأبعدوا النجعة، بل هو عن الصحة بمعزل؛ لأن مقدارَ ما كانوا يأخذونه دوانقُ لا يبلغ حدَّ الإفراط، كمـا أن عنايتَهم بالرواية تأبى أن يتبادلوا الصفقةَ بالأسواق، إذ المنعُ: مرتَّب على الذي يُخْشَى أن يجرَّهُ ذلك إلى التكثر في الرواية المفضي إلى الكذب، والجواز: محمول على من هو ثقة ثبت له عذر في أخذ العوض، كأن يكون فقيرًا مثلًا، وله عيال وجَبَ عليه مؤونتهم، في حينٍ انقطاعُه للتحديث يؤدي إلى ترك الكسب لهم.

هذا، وقد عاب الإمام أحمد من طعن في أبي نعيم وعفان على ذلك، وقال: «شيخان كان الناس يتكلمون فيهما ويذكرونهما، وكنا نلقى من الناس في أمرهما ما الله به عليم، قاما لله بأمر لم يقم به أحد، أو كبير أحد، مثل ما قاما به: عفان، وأبو نعيم». يعني بقيامهما: عدم الإجابة في المحنة، وبكلام الناس من أجل أنهما كانا يأخذان على التحديث.

قلت: ولم يكونا أولَ من يأخذ الأجرة على التحديث، بل كان حفص بن عمر النمري - شيخ أبي داود السجستاني - كذلك، قال أبو حاتم: «كان يأخذ الدراهم، وهب له رجل من أصبهان خمسة دنانير، فقبلها، ثم استطاب الرشوة».

وكان أبو الفتح أحمد بن علي الغزنوي الواعظ ينفرد برواية «سنن الترمذي» و«معرفة الصحابة» لابن منده، وكان يسمع بالأجرة.

وأبو إسحاق إبراهيم بن عثمان الكاشغري عمِّر طويلا، وبعد صيته، وكان سنده لـ «موطأ مالك» عاليا، وكان حسن الخلق، فلمـا تكاثر عليه الطلبة ساء خلقه وبقي يحدث بالأجرة ويتعاسر.

وحالُ ابن لؤلؤ - علي بن محمد البغدادي – كانت حسنة من الدنيا، ومع ذلك كان يأخذ دانقين على التحديث، وحضره طائفة ليسمع الحديث، ودفعوا إليه دراهم، فوجد واحدا زائفا، فأخرجهم من الدهليز.

وعذل الناس أبا نعيم الفضل بن دكين على أخذ الإجرة على التحديث، وإنمـا كان يأخذ شيئا قليلا لفقره، ولذلك قال: «يلومونني على الأخذ، وفي بيتي ثلاثة عشر نفسا، وما في بيتي رغيف».

ورأى بشر بن عبد الواحد أبانعيم في المنام فسأله: ما فعل الله بك - يعني: فيما كان يأخذ على الحديث -؟ فقال: نظر الله في أمري، فوجدني ذا عيال، فعفا عني.

وكان حبيب من أجلِّ تلاميذ الإمام مالك، وكان يأخذ على كل عَرْضَةٍ دينارين من كل إنسان.

وقال صالح بن محمد جزرة: كان هشام بن عمار يأخذ على الحديث، ولا يحدث ما لم يأخذ، فدخلت عليه، فقال: يا أبا علي، حدثني بحديث لعلي بن الجعد. فقال: حدثنا ابن الجعد، حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية، قال: علم مجانا كما علمت مجانا. قال: تعرضت بي يا أبا علي؟ فقلت: ما تعرضت، بل قصدتك. وكان يأخذ على كل ورقتين درهما، ويشارط، ويقول: إن كان الخط دقيقا، فليس بيني وبين الدقيق عمل.

ومنهم: علي بن بيان الرزاز، تفرد بعلو بـ «جزء ابن الرفعة»، فكان يطلب على تسميعه دينارا، ويقول: أنتم إنما تطلبون مني العلو، وإلا فاسمعوا الجزء من أصحابي، ففي الدرب جماعة سمعوه مني.

وحكى السمعاني عن محمد بن عبد الله العطار: وزنت الذهب لابن بيان حتى سمعت منه «جزء ابن عرفة». قال: وكذا ذكر لي بسمرقند محمد بن أبي العباس أنه أعطاه دينارا وسمعه.

ودخل سعيد بن عثمـان الأعناقي مصر، فسمع من أحمد ابن أخي ابن وهب – بعد أن جمع له دنانير - «موطأ مالك » برواية ابن وهب، و«جامعَ ابن وهب».

وكان أبو شعيب عبد الله بن الحسن الحراني يأخذ الأجرة على التحديث، حكى نصر الصائغ قال: سألت أبا شعيب أن يحدثني بحديث عن عفان، فقال: أعط السقاء ثمن الراوية، فأعطيته دانقا، وحدثني بالحديث.

وكان ابن النقور يأخذ على نسخة طالوت بن عباد دينارا، وذلك لأن الشيخ أبو إسحاق الشيرازي أفتاه بذلك؛ لأن أصحاب الحديث كانوا يمنعونه من الكسب لعياله.

وكذلك الشريف هبة الله الأنصاري كان يأخذ على «جزء الحفار» دينارا صحيحا.

وكان ابن كامل يوسف بن المبارك البغدادي أميا لا يكتب، ومع ذلك هو مسند مقرئ، وكان يأخذ على الرواية.

ولما روى النسائي حديث: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم»، قال: كان يعقوب بن إبراهيم الدورقي – وهو شيخ النسائي في هذا الحديث – لا يحدث بهذا الحديث إلا بدينار، وكان أبو سعيد أحمد بن محمد بن الأعرابي يأخذ الأجرة على التحديث.

وأخيرًا أطرح على القارئ سؤالًا، وهو: ما رأيك أنتَ فيمـا صنع هؤلاء العلمـاء؟ وكيف يمكن أن نعتذر عنهم إيجابيـًّا، لكيلا يجرأ المستشرقون، فيفتحوا لسان الطعن - وقد فعلوا - على أئمتتا الأجلاء - جزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا -؟

التعليقات

اكتب تعليقك

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2018