ردوا علي المدارس القديمة

      لاشك إن العلم دين. والجهد فيه ارتقاء. ومناقشته ومذاكرته عبادة. والتعب في سبيله رحمة. وحفظه مسرة. وفضائله لا تحصى ولا تعد.

     لا غرو إن له فضائل جمة، وخيراته وفيرة. وما دامت ثناياه بعد مضي زمن طويل.  كنا نرى في المدارس ربيع العلم والأدب حلقا خاصة، وفي المساجد حلقا عامة. كانت المذاكرات الدائبة المستمرة على كل لسان متحرك. والعيون متطلّعة إلى المدارس والمساجد رغبة. وكان الطلاب متوجهين من كل مكان صوب وسحيق رسلا رسلا. يوجهم الآباء إلى رحاب المدارس.

كان الأب يبذل وسعه في نفقته، والأم بالأدعية المستجابة، والابن في الارتقاء والرفعة. والمدرسة كالدار ليل نهار، والأساتذة شدوا عزائمهم بالنصائح الخالصة كلما وَنَت، ويستغرقون الأوقات في صناعة الجواهر واللآلئ والدرر. والمكتبة حصن، والكتب غذاء شهي للقلب والروح والأبصار.

إن الطلاب في الزمن السابق، كانوا مجتهدين في العلم والأدب، وسابقين في الحلم والعمل، تغبر ملابسهم وأجسادهم بالمسير الشاق. فقد قضوا حياتهم الكاملة في الحصول. انتصبوا أمام الخطر كالطود الراسخ دون أن يشتكوا. كانت أقلامهم كالسيوف المسلولة دون أن يميزوا أحدا. والسجون مسكنهم في سبيل الحق. حيثنا اقتحم العدو ما خافوا منه بل حددوه بكل قوة وفيرة فبهت الباطل. وتجشم المشاق في هذا الثغرى ما تزلزل الصم الصلاب. تميل إلى قصصهم قلوب واعية، وآذان صاغية، وتشتاق إلى تقليدهم النفوس الصالحة.

وكانت مكانتهم مرموقةً بين الناس، وقد نالوا الشرف العظيم، تطمح إليه النفوس ، ويرغب فيه الصغير والكبير من الأنثى والذكور. إنهم منابع العلوم في الزمن لمن وردها. ومكتبة مستقلة للناس فأينما حلوا طيبوا المحافل بأريجهم.  من أقبل عليه فقد اقتبس من نور الإلهي وحرم منه من أعرض. هم ذخر  الأمة ومعقد آمالها. وقد بلغوا من الفضل مداه ومن المجد أقصاه. وتركوا لنا معادن العلوم اليوم ورثناها كابرا عن كابر. لما نسمع أحوال الطلاب والعلماء، يغبط كل ذي روح وقلب حي حاليا.

أخي الكريم، إليك أخبارهم نموذجا كما وعتها كتب التاريخ. ولايزال يذكرهم التاريخ بلسان ندي بالإعجاب ورطيب بالثناء. وذكرتها بلا ضن وتحرج. وخذها غضا.

لما نلتفت بأبصارنا اليوم إلى المدارس نجدها قد خربت. والطلاب هم بأسوإ حال. و صوحت الأماني والآمال. كأن نظام التعليم قد تجرع كأس اليتم والفاقة. وتشتت الشمائل، وتزعزعت الهمم، وخلت الأفكار، وضعفت المحاولات العلمية. وبُحَّت الأصوات العلمية، واندرست المذاكرات. وجهد الأساتذة في اضمحلال، والإخلاص في زوال. والقلوب مثَقّلة بالهموم. إن مدرسة اليوم مسحوقة بمجاعة العلم وجفاف الدين وسنة الآداب.

لاشك أن عدد الطلاب والمدارس قد زاد، ولكنه مثل زبد البحر فيذهب جفاء، ويزداد بالأمواج ويتلاشى بهبوب الرياح. إن المدارس والمكاتب  مشتاقة بلا جدوى.

يا للطلاب وياللعلماء! البدار البدار ...... إليها قبل فوات الأوان!

هيهات لا يأتي الزمان بمثله           إن الزمان بمثله لبخيل

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2018