مناظرة قيمة.. ما هو الأفضل في تنازع الفعلين.. إعمال الأول أم الثاني؟

يا معشر النحاة، كفى بنا قوة من حيث الدليل أننا متفقون على كلمة واحدة لا يختلف فينا اثنان، وهو أن الراجح إعمال الثاني دون الأول من "عاملي التنازع"، ونحن الأصل وأنتم الطارئون، فأبو الأسود واضع النحو منا، والخليل بن أحمد إمام النحاة منا.. وأنا صاحب "الكتاب" وإليه المرجع والمآب.. وأنا جذيل النحو المحكك، وعذيقه المرجب، ومن نازعني فليطلع لي قرنه، وليقم علي الحجة من المصادر المعتبرة.

بسم الله الرحمن الرحيم

مناظرة في تنازع الفعلين

الحمد لله الذي علم الإنسان.. وألهمه البيان.. والصلاة والسلام على سيد الإنس والجان.. وعلى آله وأصحابه الذين اقتفوا آثاره في جميع الأزمان.

أما بعد: فإن علم النحو من أجل العلوم الآلية.. ومفتاح أساسي للعلوم العالية.. وسبب إصلاح اللسان.. ومساعد على إظهار ما في الجنان.. فينبغي للطالب أن يعتني به ويصرف همته إليه.. فإن فهم القرآن والسنة معلقان على المهارة في علم النحو فضلا عن تقويم اللغة واللسان.. وإنا أردنا أن نشارككم بتقديم مناظرة علمية وقعت بين النحاة في قضية "تنازع الفعلين" وخلاصته: أنه إذا تنازع الفعلان وأراد كل واحد من الفعلين أن يعمل في ذلك الاسم المتنازع فيه فاتفق النحاة من الكوفيين والبصريين على جواز إعمال الفعل الأول.. وإعمال الفعل الثاني.

ولكن.. يا ترى أتقديم الأول من العاملين أفضل أم الثاني؟ فاختار البصريون إعمال الثاني اعتبارًا للقرب والجوار.. واختار عامة الكوفيين إعمال الأول مراعاة للتقديم والاستحقاق.. لكن خالفهم الكسائي فقال بوجوب حذف الفاعل عند إعمال الثاني حذرًا من الإضمار قبل الذكر لأنه محظور عنده. وأما تلميذه الفراء فقد خالف النحاة قاطبة حتى شيخه الكسائي.. وخالف القوم فعُرف.. وغرَّب عليهم فالخلق منه تعجَّب.. ثم زاد الطين بلَّة اختلافُ آرائه فقد روي عنه ثلاث روايات:

  • عدم جواز إعمال الثاني حيث يقتضي الأول أو كلاهما الفاعلية.
  • منع إعمال الثاني حيث يقتضي الأول الفاعلية، واشتراك "عاملي التنازع" في العمل على "المتنازع فيه" حيث يقتضي كلاهما الفاعلية، وهو المعروف عنه.
  • جواز إعمال الثاني بشرط تأخير ضمير الفاعل للأول من "عاملي التنازع" عن "المتنازع فيه" لفظًا.

فها قد حضر منصة الشهود جهابذة من النحاة فاستمعوا إلى مناظرة علمية في مناقشة قضايا التنازع، حيث سيبويه رافع راية البصريين، وأبو جعفر الرؤاسي صاحب علم الكوفيين، وعلي بن حمزة الكسائي ويحيى بن زياد الفراء كلاهما من أهل الكوفة، ويقضي بينهم رئيس الشارحين محمد بن الحسن الرضي الاستراباذي قاضي المجلس.. فإلى اللقاء مع المناظرة:

الرضي: أما بعد: فقد اختلفتم حتى ما تركتم للاختلاف موضعًا، ولقد أوقعتمونا في أوحاله حتى لا نرى للمخرج منها مرجعًا، فلقد أبينا أن نتبع واحدا منكم حتى تقيموا على دعاويكم الحجج القاطعة والبراهين الدامغة من المصادر الأصلية لكلام العرب، فضلًا عن العلل العقلية ما يزيل التحير ويثير العجب.

سيبويه: يا معشر النحاة، كفى بنا قوة من حيث الدليل أننا متفقون على كلمة واحدة لا يختلف فينا اثنان، وهو أن الراجح إعمال الثاني دون الأول من "عاملي التنازع"، ونحن الأصل وأنتم الطارئون، فأبو الأسود واضع النحو منا، والخليل بن أحمد إمام النحاة منا.. وأنا صاحب "الكتاب" وإليه المرجع والمآب.. وأنا جذيل النحو المحكك، وعذيقه المرجب، ومن نازعني فليطلع لي قرنه، وليقم علي الحجة من المصادر المعتبرة.

الرضي (رئيس البرلمان): لا مزية لأحد منكم على أحد إلا بالدليل، فلنبدأ بأهل الكوفة فإنهم لا يكادون يتفقون على كلمة.. فما دليلك أيها الرؤاسي على أولوية إعمال الأول من "عاملي التنازع" مع أنه يلزم منه: 1- الفصل بين العامل والمعمول بجملة أجنبية، 2- وعطف الجملة على الجملة قبل نهاية الجملة الأولى، وكلاهما قبيحان مع أن الثاني خلاف الأصل بالاتفاق.

الرؤاسي: هذا أوان الحرب فاشتدي زيم، أعملنا الأول لسبقه وتقدمه على الثاني، ثم إنه أول الطالبين، والفضل والسبق والحق للمتقدم، فمنى مناخ من سبق! أما ما ذكرت من الفصل والعطف، فإن هذا لا يرِد علينا لأن المعمول هنا فضلة، والفضلة إذا جاز حذفها جاز إدخال جملة أجنبية بينها وبين العامل، ونظيره من القرآن: {وإنه لقسم لو تعلمون عظيم}، فجملة "لو تعلمون" أجنبية معترضة وقع بين الموصوف والصفة، لأن الصفة هنا فضلة؛ لاستغناء الجملة عنها. ولم تقع بين اسم إن وخبرها لأن الخبر عمدة ها هنا، فهذا الإشكال مردود.

الرضي: أيها الرؤاسي، قياسك على جواز حذف المعمول غير مطرد، فإنه لا يجوز حذف المفعول إذا وقع أحد مفعولي "ظن وأخواتها" بالاتفاق.

الرؤاسي: لكن هذا لا يعني أنه ليس بفضلة، وإنما لم يجز حذفه –على سبيل التسليم- في قولك: ظننت زيدًا قائمًا؛ لأن المفعول الثاني مرتبط بالأول بالإسناد الإضافي، وكأنهما مفعول واحد بإضافة المفعول الثاني إلى الأول، كما في قولك: ظننت قيام زيدٍ.

هذا، وإني لن أسلِّم أنه لا يجوز حذف أحد مفعولي "ظن وأخواتها"، فقد ورد في كلام الله وكلام العرب ما يرغم أنفك مما حذف فيه أحد مفعولي: "ظن وأخواتها".

فمثال حذف المفعول الأول قوله تعالى: {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم} فالمفعول الأول لـ "ولا يحسبن" هو "بخلَهم" محذوف يفهم من غضون الكلام، وتقديره: ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله بخلَهم هو خيرًا لهم.

ومثال حذف المفعول الثاني قول الشاعر:

* لا تخلنا على غرائك إنا   طالما قد وشى بنا الأعداء*

فالمفعول الثاني لـ "لا تخلنا" هو "أذلَّاء"، فكأنك تقول: لا تخلنا أذلاء على غرائك...

الرضي: على رسلك! فهل لك دليل على إعمال الأول من كلام الله أو كلام العرب المعتبرين؟

الرؤاسي: أفتقول لي: "على رسلك"، وقد أجبت عن الاعتراضات، ثم فنَّدتُّ الشبهات، وها أنا أقيم على خصمي حججًا دامغات، وبراهين قاطعاتٍ.

الرضي: فهات حجتك.

خذها وأنا الرؤاسي! دليلنا - في ترجيح إعمال الأول على الثاني من "عاملي التنازع"- قول امرئ القيس الكندي أفصح الجاهليين:

* ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة      كفاني، ولم أطلب، قليلٌ من المال *

 فإن رفع "قليلٌ" على الفاعلية دليل على إعمال الأول، وهو "كفاني" من "عاملي التنازع"، وقد أعمل الأول بلا ضرورة، إذ لو أعمل الثاني فقال: "قليلًا" على المفعولية، لم يتكسر عليه الوزن، ولم يلزمه محذور، مع أنه يلزمه بإعمال الأول شيء غير مختار بالاتفاق بين الخصمين، وهو حذف المفعول من الثاني، وهذا لا يجوز عندنا ولا عندكم.

فاختياره إعمالَ الأولِ مع لزوم مشقةٍ ومكروه له في ذلك دليلٌ على ترجيح إعمال الأول على الثاني.

سيبويه: مه يا غبي، أهذه حجَّتك!؟ لهي أسخف وأضعف من دعواك، فإن هذا البيت لم يقع فيه التنازع أصلًا.

الرؤاسي: يا ترى، ما برهانك على دعواك إن كنت لبيبًا فطنًا؟

سيبويه: لأجيبنَّك -ولو غضَّ من شأني- اسمعني! ألم تعلم أن "لو" تنفي شرطها وجزائها؟ أعني أنها تدل على نفي الجملة الثانية بسبب نفي الجملة الأولى، كما قال تعالى: {لوكان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا}، والواقع أنه لم يقع الفساد من أجل أنه لا إله إلا الله.

الرؤاسي: أعلم ذلك، فمه!.

سيبويه: العاقل تكفيه الإشارة، والغبي لا تكفيه ألف ألف عبارة، أليس قوله: "ولم أطلب" -وهي جملة منفية بسبب دخول "لم"- عطف على الجزاء المنفي بسبب "لو"؟ ألا يدل اجتماع النفيين على الإثبات؟ لكأنك تقول: طلبت قليلا من المال، ولم يكفني قليل من المال، لأني ما سعيت لأدنى معيشة؟ وهذا تناقض لا يقوله عاقل.

الرؤاسي: "رمتني بدائها وانسلت" لماذا العطف؟ اجعل الجملة حالية، فإن الحال المنفي لا يكون مثبتًا بسبب وقوعه تبعًا لجزاء "لو"، فتقول: كفاني والحال أني لم أطلب..

ابن هشام: ها قد أخذ القوس باريها، فها أنا ذا أجيبك عنها، تفكَّر يا رؤاسي قبل أن تقول، إنه يلزم من كلامك توقف عدم الشيء على وجوده، وهذا تناقض ثانٍ؛ فكأنه قال: لو ثبت أني أسعى لأدنى معيشة لكفاني قليلٌ من المال والحال أني غير طالب له، فيكون انتفاء كفاية القليل المقيد بعدم طلبه مَوْقُوفًا على طلبه لَهُ!.

الرضي: وعندي جواب ثانٍ؛ وهو أنك استشهدت -على سبيل التسليم- بما يحتمل العطف الراجح، والحال المرجوح، إذ واو العطف أكثر من واو الحال، وينبغي أن يكون الاستشهاد بالراجح، ثم إن البيت ذو احتمالين، وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال؛ لأن الدليل ينبغي أن يكون نصًّا في المقصود.

الرؤاسي: فلماذا لا تجعلها جملة مستأنفة، فإنك إذا فعلت ذلك لم يجتمع النفيان ولم يفسد المعنى!.

سيبويه: أنت الآن واقع في أوحال البصريين، كلما تحركت لتخرج لم تزد إلا خوضًا فيها وغرقًا، لو جعلنا الجملة مستأنفة لم يكن بين العاملين ارتباط، وإنما يجوز التنازع بشرط الارتباط!.

الرضي: لا فض فوك يا سيبويه، لقد غلبت الكوفيَّ حجةً، وقد آن لك أن تكشف القناع عن الجواب، فما معمول "ولم أطلب"؟

سيبويه: الجواب سهل، معمول قوله: "ولم أطلب" محذوف؛ وهو الملك والمجد، دل عليه البيت الثاني:

* ولكنَّما أسعى لمجد مؤثَّل               وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي *

فكأنه قال: ولم أطلب المجد المؤثل لو كنت أسعى لأدنى معيشة، ولكفاني قليل من المال.

الرضي: وهل عندك دليل آخر يا رؤاسي؟

نعم، قول عمر بن أبي ربيعة:

* إذا هي لم تستك بعود أراكة           تُنَخِّلُ فاستاكت به عود إسحل *

فأعمل الأول –وهو جملة "تنخل" في "عود إسحل"- ولم يعمل الثاني –وهو جملة "فاستاكت" وإلا لقال: فاستاكت بعود إسحل.

سيبويه: لا حجة لك فيه، لأنا متفقون على جواز إعمال كل من العاملين، فالاختلاف في الأولوية، وإنما أعمل الأول هنا لضرورة الشعر؛ لتكسر الوزن في إعمال الثاني.

*            *            *            *            *

الرضي: فما حجتك يا سيبويه في إعمال الثاني مع أنه يلزم منه الإضمار قبل الذكر –وهو خلاف الأصل عندك، وغير جائز عند خصمك-؟

سيبويه: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه، فها أنا ذا أشمر عن ساعدي الحُجج، إنما رجحت إعمال الثاني لقربه، والقريب أولى من البعيد في العمل، أما ما ذكرت من الإضمار قبل الذكر فهو على ثلاثة أقسام:

  • إما أن يكون المضمر فاعلًا، فأضمرنا لتعذر حذف الفاعل.
  • أو يكون المضمر مفعولًا مفردًا حذفناه لأنه فضلة، على أنه جاز إثباته عند محققي النحاة، ودل عليه قول الشاعر:

* إذا كُنْتَ تُرْضِيهِ، وَيُرْضيكَ صاحبٌ            جِهاراً، فَكُنْ في الْغَيْبِ أَحفَظَ للعَهْدِ *

  • اللهم إلا إذا كان أحد مفعولي "ظن وأخواتها" ونحوها، فلا يحذف لأنه في حكم العمدة في عدم جواز الحذف، لإفراد مضمون المفعولين معًا، على أنه ورد الحذف فيه أيضًا، وقد ذكر الرؤاسي ذلك سابقًا.

الكسائي: لماذا لا تحذف الفاعل مع أن الإضمار قبل الذكر لا يجوز؟

الرضي: لقد فررت من المطر، واستقررت تحت الميزاب، فمن يقوم بالفعل إذا حذف الفاعل؟ وهل يحذف الفاعل؟ وهل لك حجة في حذف الفاعل؟

الكسائي: نعم، يحذف الفاعل إذا دل عليه دليل، -ألا وهو معمول الثاني- ولنا في ذلك قول الشاعر:

* تعفق بالأرطى لها وأرادها              رجالٌ، فبذَّت نبلَهم وكَليبٌ *

فلو لم يحذف الفاعل لقال: تعفقوا.

الرضي: ليس لك فيه حجة، لأننا أضمرنا الفاعل في الأول مفردًا لتقدمه على المعمول لفظًا، وهذا جائز عندك.

الكسائي: لكنه لا يجوز عندكم يا معشر البصريين!. فهل لديه دليل على إضمار الأول قبل الذكر من كلام العرب؟

سيبويه: نعم، لا يجوز في عامة الأحوال، لكني حيث يلزم الضرران، أختار أخف الضررين، فإن الضرورة تبيح المحظورة، ولنا في إضمار العمدة قبل الذكر شواهد كثيرة من كلام العرب.

منها: قول الشاعر:

* جفوني ولم أجف الأخلاء إنني      لغير جميل من خليلي مهمل*

ومنها قول الشاعر:

* هوينني وهويت الغانيات إلى        أن شبت فانصرفت عنهن آمالي *

الرضي: وما مشكلتك يا فراء؟ لقد خالفت القوم في تجويزهم إعمال أي واحد من العاملين مطلقًا، وزاد الطين بلة اختلاف آرائك، فإن مذهبك مثل الحرباء يتغير، فقد روي عنك ثلاث روايات، فأوضح لنا الحق من أقوالك؛ حتى نناقشك فيما إليه ذهبت.

الفراء: أوما بلغك مقالة الجنيد البغدادي العالم الرباني ماذا قال؟

الرضي: وما قال:

الفراء: لقد قال أحسن المقال، وإلى الحق مال: "الصادق يتقلب في اليوم أربعين مرة، والمرائي يثبت على حالة واحدة أربعين سنة" ومعناه أن الصادق يدور مع الحق حيث دار.

الرضي: مه يا فراء، لقد خالفت الإجماع، وتستدل لباطلك بزخرف من القول، أحشفًا وسوء كيلة!.

الفراء: كلا، والله، إني لم أخالف الإجماع، بل إنك إذا أعملت الثاني والعامل الأول يقتضي الفاعلية، يلزمك أحد أمرين: الإضمار قبل الذكر أو حذف الفاعل, وكلاهما لا يجوز عندنا، ومذهبي واحد إلا أن كل راوٍ حدث بما حفظ.

الرضي: فما مذهبك يا فضيلة الشيخ؟

الفراء: مذهبي في هذا هو اختيار أحد أمرين:

  • عدم جواز إعمال الأول إذا كان الأول يقتضي الفاعلية والثاني المفعولية، وجواز إعمال العاملين معًا في معمولهما إذا اقتضيا الفاعلية.
  • تأخير المضمر إلى ما بعد المعمول لفظًا، فتقول: جاءني وأكرمت زيدًا هو، وجاءني وأكرمني زيد هو.

سيبويه: لقد نقضت إجماع النحاة على جواز إعمال أي واحد من العاملين، ولقد جوَّزت إعمال العاملين معًا، أقم على تجويزك هذا حجة، وأما الاختيار الثاني فمن له أدنى ذوق سليم لا يقبل هذا.

الفراء: هل يلزم في ما ذهبت إليه من محظور؟

سيبويه: وهل له نظير في كلام العرب؟ أتدري أن ما ذهبنا إليه وقبلناه من محظورات لأجل قبول ما جاء عن العرب، ألا تعلم أن علم النحو فن استقرائي واستكشافي، قبل أن يكون فنًّا قياسيًّا!.

الرضي: أكاد أميل إلى سيبويه فيما ذهب إليه لكن قد وقع التنازع في القرآن وهو أفصح الكلام، فهل هو موافق لأحد منكم فيما ذهب إليه.

سيبويه: نعم، قوله تعالى: {آتوني أفرغ عليه قطرًا}، وقوله تعالى: {هاؤم اقرؤوا كتابيه} موافقان لما ذهبنا إليه؛ لأن العمل للثاني، وحذف المعمول من الأول من أجل أنه ليس بعمدة، وهذه المسألة اتفاقية عندنا.

الرؤاسي: لكن هذين الدليلين موافقان لمذهبنا أيضًا.

الرضي: وكيف  ذلك؟ برهن.

الرؤاسي: أعملنا الأول، وحذفنا المفعول من الثاني، لأنه فضلة، وهو جائز عندنا.

سيبويه: لكنه خلاف المختار عندكم.

الرؤاسي: لا بأس، فصحت العبارة وصحَّ الاستدلال.

سيبويه: فكأنك تقول: لقد ورد أفصح الكلام على خلاف المختار بين الفريقين!.

الكسائي: بل هو موافق لمذهبي، فإني جوَّزت حذف المعمول في الأول مع لزوم محظورين: الإضمار قبل الذكر وكونه عمدة, فكيف لا أجوِّزه وهو فضلة، ولا يلزم منه الإضمار قبل الذكر.

الرضي: هل لك دليل من كلام العرب غير هذا؟

الكسائي: نعم، قول عاتكة بنت عبد المطلب عمة النبي صلى الله عليه وسلم:

* بعكاظ يعشي الناظر يـ    ـن إذا هم لمحوا شعاعه *

فحذف المعمول من العامل الثاني وهو قولها: "لمحوا".

الرضي: لكن هذا لضرورة الشعر.

الفراء: بل هو موافق لمذهبي أيضًا.

الرضي: وكيف ذلك؟ بين.

الفراء: لأني عندما قلت بوجوب إعمال العاملين معًا في معموله حيث اقتضيا الفاعلية، فلأن أقول به حيث اقتضيا المفعولية أولى.

الرضي: فكيف الفصل إذًا؛ لقد كاد رأسي يتفجر!.

سيبويه: هاتان الآيتان دليلنا حيث وافق المذهب الراجح عندنا، أما أنتم يا أهل الكوفة رؤاسيكم وكسائيكم وفراؤكم، أولتم المسألة على خلاف المختار عندكم، ولم ترضوا لأنفسكم باختياره؛ أفتختارونه لأفصح الكلام!.

الرضي: لقد أصغيبت إلى ما تماريتم في هذه القضية النحوية بالحجج القاطعة.. وما تناقشتم في هذه المسألة بالبراهين الجامعة المانعة.. وذهبتم في الجدل كل مذهب.. حتى استخلص لي الجواب.. وترجح لدي الصواب.. وها أنا ذا أبشر البصريين.. فهنيئًا لك يا سيبويه.. فما أرى الحق إلا معك.. وقد رجحت كفتك في هذه المناظرة القيمة.. ونشكر الجميع على الإفاضة في هذه المسألة.. وعلى مساعيكم الجميلة.. والسلام.

التعليقات

اكتب تعليقك

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2018