الزم عزلتك يا طالب العلم!

خطبة ممتعة للطالب جمعة شعيب ألقيت في مدرسة ابن عباس، وفيه:
فلهذا اسمحوا لي أن أنتقل بحضراتكم الآن من هذه الجلسة الميمونة إلى أصحاب كهف العزلة، وما فيها من فوائد جمة، وأسرار لطيفة، وما أدراك ما العزلة؟ إنها عبارة عن استخلاص للمقصود، وعزلة الورى للمعبود، وفي العزلة استدرار أمطار الأفكار

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى من اقتفى أثره واهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد: فيا معشر أهل الإسلام، من الأساتذة العظام، والطلبة الكرام، إني سعيد بأن أتشرف بإلقاء كلمة وجيزة حول الاستخلاص للعلم، والتكهُّف بكهف العزلة فرارًا من الظلم،وإني حاولت أن أستخلص لكم  في هذا الموضوع ما شرد، فتركت اللبن ومحصت الزبد، بل إنه فص من النصوص لأهل الخصوص ممن أراد الخلوص، إذ الوصول إلى الخلوص، وإدراك الثريا من الثرى خطب جسيم كما لا يخفى، إلا من شد أزره وبالعزلة ائتزر، وربط على قلبه وصبر، وعن ساعدي الجد رفع وشمَّر،وقال القائل:

ذريني أنل ما لا ينال من العلى                        فالصعب للعلى صعب وللسهل سهل

 وقال الإمام الشافعي، -وكأنه بمسامعي-

بقدر الكد تكتسب المعالي      ومن طلب العلى سهر الليالي

فلهذا اسمحوا لي أن أنتقل بحضراتكم الآن من هذه الجلسة الميمونة إلى أصحاب كهف العزلة، وما فيها من فوائد جمة، وأسرار لطيفة، وما أدراك ما العزلة؟ إنها عبارة عن استخلاص للمقصود، وعزلة الورى للمعبود، وفي العزلة استدرار أمطار الأفكار، والاعتبار بآثار الأخيار ومآثر الأبرار، وكم من عالم وصالح ونقيب، اعتزل الناس لاستخلاص مقصود وإرضاء معبود، ففاح في العالمين ذكره المحمود، وقال موسى عليه السلام لقومه: وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون، فهذه الآية صريحة في العزلة وهجر العوام.

فإن قلت: ما فائدة العزلة عن الناس وعدم الاختلاط معهم أيها الجمعة؟ أقول: يا من اغتر بالناس، ليس كل بيضاء شهمة، ففر من الزحمة إلى غار الرحمة قال: تعالى: فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقًا، ففيها السلامة من صروف الزمان، وضياع الوقت مع الأقران، وصرف الساعات عن سوق الخسران، والبعد عن شرر أهل الشر، فإن من قر في قعر بيته واستقر، أمن حر الباطل والقر، ومن فر من التبعات فقد أحسن المفر، ولكل نبإ مستقر.

وفي الحديث: كف عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك، ففي العزلة السكوت ولزوم البيوت، والرضا بالقوت، والحطب مع العز ياقوت، لأن الخلطة أسحر للقلب من هاروت وماروت، ومصاولة الناس أشد من مصاولة طالوت وجالوت.

كن مع الله على ذكر ووحِّده   واعتزل وحدك إن الله وحده

كم خلوت باعلم فأتحفني وشجاني                        وفي الزوايا خبايا كما قال الأرجاني

اجلس مع ابن جرير لتنسى كل جريرة، وفاكه مقامات الحريري فما أحلى حريره، ولا تستكثر ليلة مع ابن كثير فليست كثيرة، وحادِث خاطرك بقصص بلال وعمار وأقرانه، فإنها تقوي فؤادك وتحفظه من هوانه، أطفئ نار الذنب بدمعة، ونوِّر ليلة الوحش بالذكر من الشمعة، أما ترى الهدهد وحَّد وتفرَّد، فعرف المقصِد، ووُفِّق وسُدِّد، ومدِح ومجِّد.

لو لم يعتزل البخاري ما فاحت بخور البخاري، وما حلَّ لك الإشكال عمدة القاري وفتح الباري، ولم يدلك  في ليل الجهل هدي الساري، واغزل خيوط الحكمة كما فعل الغزالي، وبرِّز في العلوم تبريز البرزالي، فلن تدرك المعالي إلا بهمة الجويني أبي المعالي، والتقلل من الدنيا كأبي علي القالي، إن آنست وحشة ضع يدك على صدرك وناد نفسك: يا نفس قري، ولا تفرِّي، وجاهدي ولا تغترِّي، وعلى صراط السلامة مرِّي، وفي جنات الأنهار استقري، كيف تكون وحدك؟ والله يقول: أنا جليس من ذكرني، فنعم الأنيس والجليس، ومن ترك ذكره فجليسه إبليس، اجعل الذكر قوتًا، والعلم ياقوتًا، واغتنم راحة البال، في طاعة ذي الجلال، واجتنب خلطة العوام، فإنهم هوام، ومن بذَّر في صرف الأيام، صار كالمسكين على موائد اللئام.

ليت شعري هل تفقهون ما كشفت لكم من القناع! أم صعبة المساغ والبلاع، بالله أعيروني قلوبكم والأسماع، ألم تعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتزل في الغار فجاءه جبريل بالوحي العظيم، واعتزلت مريم فجاءت بعيسى النبي الكريم، واعتزل إبراهيم الشرك فصار حنيفًا ملة أبيكم إبراهيم.

واعتزل أبو حنيفة السفهاء، فصار من الفقهاء، فالدين حنيفي والفقه حنفي، نحن الحنيفيون كم من أحنف فينا وكم من عنتر أو حاتم، واعتزل الإمام مالك المغنين، فصار إمام المحدثين، لكأنه أعطي ملكوت السماوات والأرضين، وانفرد الشافعي رحمه الله في خلوة شرعية للعلم، بعدما هاجرت به الأم، فأخرج لنا كتاب الأم، فعلم آلافًا مؤلفة من العُرب والعجم، وكان كالبحر الخضمّ، وتشفع له محاسنه الجمُّ، وإذا الحبيب أتى بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع، وهذا الإمام أحمد ألا تراه في العلم كثير البضاعة، وثباته على الحق خلَّد ذكره إلى قيام الساعة، فهو حقًّا إمام أهل السنة والجماعة.

فاعتزل يا أخا الإسلام الدنيا وما فيها، واستخلص نفسك لله، وكن عصاميًّا كالأصمعي، والزم صومعتك فما يعصم من الفتن إلا المعصوم، سكن في الكوخ طاغور، أو طير من الطيور، فأنشد على الفور: يا أهل الدور والقصور، أنا أسعد منكم وأكثر فرح وسرور، سعادتكم بجواهر البحور، ودر النحور، وسعادتي بفرائد المعارف وقلائد المصاحف، نحن عبيد الله نسيح في أرض الله، وأنتم عبيد الدينار، الذي يفضي إلى النار، ومعاذ الله من النار، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

التعليقات

اكتب تعليقك

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2018