ما بالنا لا نتكلم بالعربية الفصحى؟ (خطبة مكتوبة)

خطبة حماسية مؤثرة في النفوس ألقيت في مدرسة ابن عباس رضي الله عنهما بعنوان: لماذا لا نتكلم بالعربية؟

خطبة حماسية: ما بالنا لا نتكلم بالعربية الفصحى؟

الحمد لله ذي الشرف المتين، أنزل على أشرف رسله محمد الصادق الأمين، أشرف كتبه كلام رب العالمين، بأشرف اللغات، بلسان عربي مبين، صلوات الله وسلامه على محمد، أفضل من نطق بالضاد، وعلى آله وصحبه قدوة في الهداية والرشاد، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم التناد.

أما بعد: فيا معشر الطلاب، إني أتشرف بإلقاء كلمة وجيزة أمامكم حول قضية اللغة العربية، قضية تستوجب عناية وأهمية، إن لسان الضاد سيد اللغات مليء بالخيرات والبركات، متميز بجزالة المباني، وغزارة المعاني، متفرد بجوامع الكلم والأقوال، ونواصع الحكم والأمثال، اختاره خالق الأكوان، لكتابه القرآن؛ لأنه أشد وطئًا في القلب، وأبلغ أثرا من الحرب.

هل تفهمون ما أقول؟ أم يمر من فوق رؤوسكم ويزول! أصغوا إلي أسماعكم وأعيروني، وبالله خبروني، هل تعلمون جودة الشعر العربي وتناسقه في اللغات الأخرى؟ كلا.. ورب النفوس بما يناسبها من اللغات أدرى. فأنى تصرفون عنها؟ وأين المفر منها؟.

بالله قولوا لي، من منكم يقول: الله ربي ومحمد رسولي ﷺ، قال الإمام اللغوي الأدبي، أبو منصور الثعالبي: "من أحب الله تعالى، أحب رسوله سيد الورى في الآخرة والأولى، ومن أحب الرسول النبي ﷺ، أحب لغته اللسانَ العربي، ومن أحب العربية اعتنى بها، وثابر عليها، وصرف همته إليها"...

وزاد فقال: "العربية خير اللغات والألسنة، والإقبال على تفهمها من الديانة، إذ هي أداة العلم، ومفتاح التفقه في الدين، وسبب إصلاح المعاش والمعاد، - اعذروني وأقلوا علي من اللوم، واسمعوني أيها القوم – لو لم يكن في الإحاطة بخصائصها، والوقوف على مجاريها ومصارفها إلا قوة اليقين في معرفة إعجاز القرآن، وزيادة البصيرة في إثبات النبوة التي هي عمدة الإيمان، لكفى بها فضلا يحسن أثره ويطيب في الدارين ثمره.

أقسم بالله العظيم، الذي به الخير عميم، لو أنكم تواثبتهم على إقامة البيئة العربية، وإنشاء الندوات الأدبية، وإظهار مكنوناتها من بين جوانح صدوركم، وهجرتم سائر اللغات لدينكم وشيدتم بناء اللغة العربية في رحاب هذه المدرسة الميمونة، وإدارتها المؤقرة الحنونة، لعاد للأمة المحمدية أمجادها، وخذل الشياطين عُبّادُها.

أيها المتأثرون بالبيئة السائدة! "إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ" حين يدعوكم إلى العربية، وينهضكم للندوة الأدبية، إن هي إلا صيقل للمواهب، وإبراز مكنونات العباقر، ذات العجائب والغرائب، أو ما سمعتم حديث خير الخلائق يوم التغابن: "الناس معادن، كمعادن الذهب والفضة" فإياكم والمدحضة.

فما لكم يا قوم لا تستعدون! لإقامة البيئة العربية وتسعَدون؟ أرغبة عن شعار دينكم أم كسلًا عن أداء واجبكم؟ ألا تعلمون أن اللغة من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون؟ أليس اعتياد اللغة مؤثِّرا في العقل والخلق والدين، اسمعوا ما يقوله الإمام الألمعي، محمد بن إدريس الشافعي: "ما جهل الناس ولا اختلفوا إلا لتركهم لسان العرب وميلهم إلى لسان أرسطاليس"، وطبعا لسان أرسطو هي اليونانية والرومية، التي من توابعها الإنجليزية والفرنسية.

يا سبحان الله! أتظنون أنكم بهجران لغتكم تتقدمون؟ وتواكبون الأمم المتحضرة  وترتقون؟ كلا، والله لا يمكن أبدًا، إنكم لن تزدادوا بذلك إلا تخلفًا، وعبودية وتخوُّفًا؛ لأنكم لن تستقلُّوا إذًا بفكرة، ولن تحدثوا نظرة إلا على ضوء ما فهمها أرباب تلكم اللغة، ورضيتها الأمم الزائغة.

يا أمة الإسلام، مظهر العز والسلام، إلى متى ترضون المذلة والهوان؟ ألا تخلعون رداء التقاعس والخذلان؟ ألا تؤمنون بأن الأمة العزيزة الظاهرة تعتز بلسانها، وتحرص على استقلالها اللغوي، وأما الأمة الذليلة المغلوبة.. فهي التي تفرط في لغتها، حتى تصبح أجنبية عنها، فلو أن امرءًا مسلما أبيًّا مات من بعد هذا أسفًا وغيرةً عليها.. ما كان به ملومًا، بل كان به عندي جديرًا.

فيا عجبًا كل العجب! عجبًا والله يميت القلب، ويجلب الهم والحزن، ويبعث الأسى والخوف بعد الأمن، اعتزاز هؤلاء الكفرة بلغتهم، وتشبثهم بها، وهجرانكم لسان دينكم الحنيف، بل وزاد الطين بلًّة، ضغثًا على إبَّالة.. أن صرفت الأمة الإسلامية طاقاتها في تلك اللغة، وخذلت اللغة العربية سيدة اللغات.

يا للعربية!َ أين الذين يؤمنون بالله ورسوله ﷺ؟ أين طلاب العلم الشرعي؟ أين حفاظ القرآن والحديث؟ أين الذين يدَّعون الغيرة على دينهم؟ أين المدافعون عن حياض الإسلام وأهله؟ اسمعوا إلى ما ترثي به العربية نفسها:

أَيَهْجُرُني قَوْمي عَفَا اللهُ عَنْهُمُ * إِلَى لُغَةٍ لم تَتَّصِلْ برُوَاةِ

سَرَتْ لُوثَةُ الإفْرَنْجِ فِيهَا كَمَا سَرَى * لُعَابُ الأَفَاعِي في مَسِيلِ فُرَاتِ

فَجَاءَتْ كَثَوْبٍ ضَمَّ سَبْعِينَ رُقْعَةً * مُشَكَّلَةَ الأَلْوَانِ مُخْتَلِفَاتِ

إِلَى مَعْشَـرِ الكُتّابِ وَالجَمْعُ حَافِلٌ * بَسَـطْتُ رَجَائي بَعْدَ بَسْطِ شَكَاتي

فإمَّا حَيَاةٌ تَبْعَثُ المَيْتَ في البلَى * وَتُنْبتُ في تِلْكَ الرُّمُوسِ رُفَاتي

وَإِمَّا مَمَاتٌ لا قِيَامَةَ بَعْدَهُ * مَمَاتٌ لَعَمْرِي لَمْ يُقَسْ بمَمَاتِ

لا والله، لن نهجر لغتنا أبدًا، بل لنستبدلنَّ يأسها رجاءً، ولنحيينَّها ما دامت فينا نفس منفوسة.

عربية حسبي بأنك منطقي وبياني  * عربية قلبي وروحي أحرفي ولساني

عربية، ثم الوصوف تضيع في أوصافك  * فَبِكِ استباحَ الشعر يشدو أعذب الألحان

يا روعة سلبت شغاف القلب في ترنيمها  * يا بلسما كم طيَّبت قلب الكسير العاني

في مفرداتك هامت الأرواح حين استعذبت  * حرفًا وقولًا صادقًا وفصاحةً ومعاني

كيف المديح يجيء إن كنت التي أعني بها  * أنت البحور ومنك خـير الدر والمرجان

عربية يا ليت شعري هل ستوفي كَلْمَةٌ * ولقد نهلنا فيكِ فقهَ المنهج الرباني

فالآي إذ نتلوه نغترف السعادة والهدى * وفصاحة في القول فاقت فيه كل بيان

أوليس يكفي أنك شرفت فخرا حينما  * كنت الختام وفيك أنزل محكم القرآن

الضاد فخري أنني للضاد حقًّا أنتمي * وبه ابتدأت قصيدتي وبه ختام بياني

وبعد، يا إخوة الإسلام، إن هذه المدرسة نهضة جديدة، ونعمة عظيمة حيث يسعى بانيها لإحياء العربية الفصحى، في الأمة الوسطى كل عام آلافًا مؤلفة من المال، بل وكأنه لم يخلق إلا لهذا، ولم يكن له هم إلا إحياء اللغة الميتة، وإحياء السنة المهجورة في الأمة المسلمة، فساعدوه في إقامة البيئة العربية عضدًا بعضد، واعرفوا قدركم، وتذكروا مسؤوليتكم، ودافعوا عن لغتكم، واشركوا الله على هذه النعمة الجمة، شكرًا يزل الغمة، ويشحذ الهمّة، واعزموا على النطق الصحيح.. باللسان الفصيح، وإياكم ثم إياكم أن تقصّروا في واجبكم وتساهلوا.. فمن كان في نعمة فلم يشكر.. خرج منها ولم يشعر. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

التعليقات

اكتب تعليقك

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2018