الحج ... منافع وبركات

بقلم: سماحة الأستاذ المفتي محمد قاسم القاسمي

إن الحج أحد الأركان الأربعة التي فرضها الله على العباد، ولكنه يختلف عن سائر الأركان. إنه عبادة ذات شأن يختص بمكان شرّفه الله تعالى ونسبه إلى نفسه تشريفا وتكريما، وسماه بيته وهو أول بيت وضع في الأرض، كما قال عز من قائل: إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين.

تدل هذه الآية أن بيت الله الحرام لا يختص بركاته وهداه بالحجاج فحسب بل تشمل جميع الخلق والعالمين.

وكما قال تعالى في مقام آخر "جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس وأمنا". فبقاء البشر وقيامه وحياته مدين لهذا البيت العتيق، لا يزال النور يشع والبركات والخير الكثير يجري من الكعبة إلى العاليمن منذ بنيت ولكن يتفخم شأنها وتزداد بركاتها في أيام الحج وحيث تشتاق قلوب المؤمنين إليها وتهفو لها حبا وشوقا.

ويجتمع المسلمون في رحابها فتتجلى والوحدة الإسلامية والأخوة الدينية في أحسن أشكالها باجتماع الشعوب ذات الألوان والأعراق واللغات والملابس المتعددة في الزمان الواحد واللباس الواحد والذكر الواحد والدين الواحد.

تركوا أوطانهم وهجروا أهليهم وهم كلهم شوق وحنين وحب وغرام. إن الشعوب الأخرى وأصحاب الأديان يغبطون ويحسدون المسلمين على هذه النعمة الكبيرة التي لا تساويها نعمة أخرى بعد الإيمان، فليغتنم المسلمون هذه النعمة ويعرفوا مكانتها ويباهوا بها وليجتهدوا في تحصيل حقيقتها.

الحج له ظاهر وباطن وصورة وحقيقة

إن ظاهر الحج وصورته عبارة عن أعمال مخصوصة يفعلها الحاج ويمارسه ويلتزم بها وقد يلزم دم أوغرامة إن أخل بها ولكن لا ينتهي الأمر إلى هذا بل هناك باطن وروح وحقيقة ينبغي أن يحصل الحاج عليها حتى يكتمل الحج وتظهر فوائده، وقال أهل العلم إنما تتحقق فوائد الحج و تتجلى إذا اهتم الحاج بآداب الحج وقصد الحصول على حقيقته وروحه ومنافعه التي أشار إليها القرآن الكريم ليشهدوا منافع لهم.

مقاصد الحج ومنافعه الهامة

لا شك أن للحج مقاصد ومنافع ينبغي أن يقصدها الحاج ويسعى لتحقيقها والحصول عليها.

يقول الإمام أبو الحسن الندوي رحمه الله: ومن مقاصد الحج الرئيسية تجديد الصلة بإمام الملة الحنيفية ومؤسسها إبراهيم الخليل والتشبع بروحه والمحافظة على إرثه والمقارنة بين حياتنا وحياته وعرضها عليها واستعرض ما يعيش فيه المسلمون في العالم وتصحيح ما وقع في حياتهم من أخطاء أو فساد أو تحريف وإعادة ذلك كله إلى أصله ومنبعه فالحج عرضة سنوية للملة تضبط أعمال المسلمين وحياتهم ويتخلصون بها من نفوذ الأمم والمجتمعات التي يعيشون فيها. (ص 248 الأركان الأربعة)

قال الإمام ولي الله الدهلوي رحمه الله: إعلم أن حقيقة الحج اجتماع جماعة عظيمة من الصالحين في زمان يذكر حال المنعم عليهم من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين ومكان فيه آيات بينات، قد حضره جماعات من أئمة الدين، معظمين لشعائر الله، متضرعين راغبين وراجين من الله الخير، وتكفير الخطايا، فإن الهمم إذا اجتمعت بهذه الكيفية لا يتخلف عنها نزول الرحمة والمغفرة.

تطهير القلوب وتزكية النفوس

الحج فرصة لتطهير القلب من أدران المعصية والذنوب وتزكية النفس من الرذائل التي تعود بها فالحاج يمارس ضبط النفس والتزام النظام ويمتنع عن محظورات الإحرام فكأنه يدرب نفسه على ترك ما نهى الله عنه.

فإذا عاد إلى وطنه يسهل له ترك كل معصية تعوّد عليها واستأنس بها. وهو يبغض الشيطان الذي كان يزين له سوء الأعمال لأنه يعلم أن عاقبة التمرد والعصيان هو الرجم واللعنة والدمار.

يقول الإمام الغزالي: واعلم أنك في الظاهر ترمي الحصى إلى العقبة وفي الحقيقة ترمي وجه الشيطان وتقصم ظهره، فالحج بمناسكه وأعماله كله تمرين وتمثيل للإطاعة المطلقة والابتعاد من الذنوب والمعاصي.

تعضيد الإخاء والتضامن الإسلامي

ومن فوائد الحج أنه أشبه بمؤتر عالمي سنوي شعبي ترى جمع الحجاج الحاشدة في صورة متناسفة ترمز وتعبر عن جميع المسلمين في شتى أنحاء العالم، في تعارفهم وتآلفهم وتبادل الرأي فيما بينهم وتدبير أمورهم، على اختلاف في ألوانهم وأوطانهم ولغاتهم ومستوياتهم وأسلوب حياتهم، متمثلين قوله تعالى: وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون. ( المؤمنون)

فترتفع هممهم ويشعرون بالعزة والمكرمة والقوة ويتقينون أنهم ليسوا بمنفردين بل إنهم جزء من أمة قوية فتية ذات مواهب وحسنات كثيرة.

صور من المساواة واستشعار الحشر

ومن ناحية أخرى تتجلى في الحج معاني ومظاهر المساواة الإنسانية بين جموع الناس فهم محرمون في مكان واحد لا فرق بين غنيهم وفقيرهم وملوكهم ورعاياهم وكبيرهم وصغيرهم.

الجميع في لباس أبيض بسيط متشابه يرمز إلى وحدة الخلق الإنساني، وهكذا من خلال هذه المشاهد تنبعث في النفس البشرية صور ترمز لليوم الآخر، يوم يحشر الناس لرب العالمين حفاة عراة لا فضل لأحد على غيره إلا بالتقوى والعمل الصالح.

اقتراح:

إننا نرى أن المعنيين بالبرامج لو أحسنوا الظن بعلماء البلاد الإسلامية واهتموا بهذا الجانب، وهيّأوا الفرص لهم، لانتفعت الحجاج من هذه الفرص السانحة وتحققت الوحدة الإسلامية وتقاربت القلوب والأفئدة وتحسنت الظنون، وتغيرت الأوضاع وتقدمت الأمة نحو الوعي والعمل والفكر والدعوة إلى الله. وعمت المنافع والبركات بإذن الله.

ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرا.

التعليقات

اكتب تعليقك

وسوم متعلقة
  • #حج
  • المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
    الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
    شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2018