أنين القدس

كلمات رقيقة هادفة، مثيرة للعواطف، جاذبة للقلوب...

كلمات تتجلى فيها شجون ومآس، وتنطبع فيها حقيقة كريهة المنظر لمقدس من مقدساتنا، فهذا المسجد الأقصى مسرى الرسول –صلى الله عليه وسلم- يملي شجونه، ويسترعي انتباه كل من يرى أنه قبلته يومًا من الأيام، تلك الكلمات في الحقيقة أنّات مصاب وندبات مكروب، فالقدس – كما لا يخفى علينا– يمرّ بأشد أطواره، حتى بدأ يخشى على نفسه، فيقول بلهجة الشكوى في ثورة واستنجاد، وفي نخوة واستنقاذ :

"أنا القدس أيها المسلم! أنا المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله، أنا قبلتك الأولى التي توجهت إليها في صلاتك، أنا قبلة الأنبياء السابقين والأمم الغابرة، فكم كنتُ أسعد! وكم كانت فرحتي يوم وجدتُ الرسول الخاتم – صلى الله عليه وسلم- في رحابي، فرحبْتُ له صدري، ووسّعتُ له نطاقي، وإن اجتماع الأنبياء الذي ترأسه محمد –صلى الله عليه وسلم- غرة شرف على جبيني، هكذا جرت الأيام وقد توالت حولي الحوادث.

كم كنتُ أشقى يوم كنتُ أسير القوة العبرية، وكنيسة النصارى والمسيحية، إنهم انتهكوا حرماتي، وانتهبوا ثرواتي، ودنّسوا جوفاتي، ولطّخوا عرصاتي بدماء أبنائي وبناتي، وهذه الفترة التي كنتُ تحت وطأة المسيحية الصليبية أراها وصمة عار علىى جبيني، حتى جاء الإسلام، وأعاد لي مجدي، وردّ إلي شرفي وكرامتي...

أشكر جنوده المغاوير، سيدي عمر ابن الخطاب وسعد وجيشهما ومن في زمرتهم، فلا يسعني إلا أن أشكرهم، وأعجب من بطولتهم وفراستهم الإيمانية، وكم يمتعني حنينهم الجامح إلى مقدساتهم.

شباب الإسلام! ورثت أزمة بعد أزمة، ومأساة إثر مأساة، سياسية ودينية عبر العصور، وأن تاريخي مضرج بالدماء...

فكم من دماء طاهرة من نفوس زكية سالت في الحروب الصليبية، وفاضت بها الشوارع، وسقطت فيها جثث المجاهدين الأبرار خامدة أشلاء...

لا أحصي لكم كم كان عدد الجثث!

ولا أدري كم دمًا أهريق!!

إن هذه القوة الصليبية خربت جوي بهذه العمليات غير الإنسانية...

إنها كانت مسرح الموت ومشهد القتل والنهب والاغتيال، فما أبشعه!

إنها مرعى وحوش فما أفزعه!!

حتى حظيت بالتحرر بيد صلاح الدين الأيوبي –رحمه الله- البطل المغوار المستميت، الذي كسر قوة الصليب ورفع راية الإسلام على القبة الذهبية .. فشكرا له.

وهكذا كنتُ تخلصّت من القوة الكافرة الغاشمة، ولفظت نفس السعادة بعد شقاء مديد، ولكن الزمان سار على عجلاته، تساوره الأحداث والأزمات، وترافعه المآسي والعقبات، ولم أزل تحت الدسائس والمؤامرات متجددة حينا بعد حين، حتى قامت دولة "إسرائيل" (!؟) العنصرية الصهيونية ، ذلك الورم الخبيث في قلب العالم الإسلامي . فأصبحت عرضة السياسة العالمية، فتدور حولي مؤامرات جديدة كل يوم، وفي كل دقيقة.. وفي كل ثانية...

وقد استكشفوا الهيكل السليماني المزعوم في جوفي، وهم في عمل دؤوب على هدمي بحفر حفريات لإقامة الهيكل، وواصلوا الحريق بالمواد الكيمياوية، وجعلوني أمام مخاطر، ويزداد أسفي ويتندى جبيني حياء لما أرى رجال السياسة وعباد المصالح الشخصية وأبناء الجاه والسلطان من بني جلدتي لا أراهم إلا وقد خضعوا للمصالح اليهودية ، فبدأت أخشى على نفسي، هل يمكن لي أن أبقى بهذه الصورة التي وقفتت بها أمامكم عزيزا شامخا؟ مع هذه الأخطار يسلّيني ويمنيني ما يقوم به الشباب المتحمسون للدين والوطن الغالي، هم في انتفاضة متواصلة لتحرير فلسطين، وتخليص حرمي من الأيدي الباطشة.

فكم أراقوا دماء وضجوا نفوسا!! وجعلوا مصالح الحياة مطروحة منبوذة!؟ دعواهم الوحيدة ـــــــــــــــــــــ القدس ـــــــــــــــــــــ ، ونعرتهم الوحيدة ـــــــــــــــــــــ فلسطين والقدس ـــــــــــــــــــــ، حقا، إنن تضحيتهم ستبني قنطرة إلى نجاتي، فيا للأمة المسلمة!! ليتك تهتم بشأني! وأنا لك مقدسة."

وهلّا تقرع أسماعك ندباتي وأنّاتي!؟

فيا ليتك انتهضت لمهمّة إنقاذ هذه المقدسة الإسلامية!!

فلسطين تشكو واليهود تشجها         +            وذا القدس يرجو حياة بعزة

(ملاحظة : كتب الأستاذ هذه المقالة الأثيرة في جدارية "النبراس" حينما كان طالبا في جامعة دار المعارف الإسلامية، شيتاغونغ، بنغلاديش قبل 18 عاما.)

الكاتب : صاحب القلم السلسال، والمقالات البديعة. وأستاذ الحديث النبوي والأدب العربي، والدراسات العليا بجامعة دار المعارف الإسلامية، شيتاغونغ، بنغلاديش.

التعليقات

اكتب تعليقك

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2018