جحا القرن الحادي والعشرين

(قصة هزلية جادة استوحيت شخصيته من أحد زملاء العمل)

بقلم: د. عبدالرحمن يوسف خان

أستاذ مساعدورئيس قسم اللغة العربية جامعة أردو الفيدرالية كراتشي

(قصة هزلية جادة استوحيت شخصيته من أحد زملاء العمل)

 محتشم وقور.. متدين مع شيء من الغرور.. فيلسوف .. صاحب منطق.. وعلم.. ونظر..

 يتدخل في بعض ما يعنيه وفي كل مالا يعنيه، أفضل أحاديثه للنقاش الإستنجاء والاستجمار، وأحسن أيامه للراحة والاسترخاء أيام العمل ووقت الدوام، وأجمل ما فيه التجاهل والاستحمار..

 يشكو دائما بآلام في الكفين والذراعين والركبتين والظهر والبطن بل قل الظاهر والباطن .. لكنه أثناء النقاش الحاد ينكب على خصمه كما يقفز فتى الأدغال في أدغال إفريقيا.

 ينصح ويرشد من لايريد النصح والإرشاد ومن يريده أيضا.. بل يؤذن في مسجده وقد أمّ بالناس وبعد فترة طُرِدَ من المسجد ومُنِعَ مِن دخوله بناء على شهادة أحد شهود عيان بأنه شرب مسكرا في إحدى رحلاته مع زملائه..

 تجده أحيانا يطعم ذرات السكر للنمل والنملة بدعوة أنه أجر وثواب وتجده تارة يركل القط والقطة بحجة أنها خبيثة ملعونة ولا تستحق إلا هذه الركلة ..

ذو مواهب خارقة للعادة يمشي ملتفتا إلى الخلف .. يقرأ مع نظارة عاتمة سوداء قذرة .. وقمة مواهبه أن تجده متمكنا من قراءة الورقة المقلوبة أيضا..

 تراه أحيانا يقرأ كتب الوعظ والتوعية على زملائه ويجهش بالبكاء وإذا مل من حركاته وسكناته ومن عدم تفاعل زملائه معه، يبدأ يطبل ويغني بألحان مختلفة بل بلغات مختلفة أيضا..

 ليس هذا فحسب بل يفتي على العامة والخاصة فيما لا يعلم وفيما يظن أنه يعلم من منطقه المتميز الفريد، فمن فتاواه التاريخية الخالدة هو أنه في أكل العظام أجر أعظم من أكل اللحم لأن أكل ومضغ العظام يتطلب مشقة أكثر وكلما زادت المشقة من طلب الحلال كلما كان الأجر أعظم، ودليل ذلك من القرآن الكريم بأن كلب أصحاب الكهف بُشر بدخول الجنة بسبب كثرة أكله للعظام وليس بسبب كثرة إخلاصه في العبادة.. كما يظن البعض..!!

 أخطأ من سأله عن حاله في الصباح، فحاله دائما مجهول.. والكيف معلوم.. السؤال عنه ورطة.. والإيمان بماتراه واجب..

وأصاب من بدأ بغض البصر عنه وأفسح له الطريق لكي يمر هو دون غيره.. وكأنه رئيس دولة.. أو وزير وزارة.. أو مدير شركة..

 يعجبني فيه بأنه لا يشبع مهما أكل.. وإن أكل الأخضر واليابس ويعجبني فيه أيضا بأنه دائما هو الضيف والآخر هو المضيف، رضي المضيف ضيافته أم أبى..

يعجبني فيه بأنه يحترم كل صغير  وكبير من قلبه.. ولا يحترم أحدا من لسانه..!!

 لمست فيه شجاعة الجبناء.. وذكاء الأغبياء.. صدق الكذابين.. ونشاط الكسالى ..وحلم الغاضبين.. ويقظة النائمين.. وجرأة الخائفين.. ووفاء الخائنين..

 فعلا إنه جحا القرن الحادي والعشرين.. جحا الضاحك المبكي..

التعليقات

اكتب تعليقك

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2018