أمك، ثم أمك، ثم أمك!

العَيْـشُ مَاضٍ فَأَكْـرِمْ وَالِدَيْـكَ بِـهِ والأُمُّ أَوْلَـى بِـإِكْـرَامٍ وَإِحْـسَـانِ
وَحَسْبُهَا الحَمْـلُ وَالإِرْضَـاعُ تُدْمِنُـهُ أَمْـرَانِ بِالفَضْـلِ نَـالاَ كُلَّ إِنْسَـانِ

     بدأت السماء تبكي والأرض تهتز، والبحار تتلاطم أمواجها على الدموع التي أسقطت المرأة التي كانت نسبتها إلى البنت، عند ما كانت صغيرة، ثم تحولت نسبتها إلى الزوجة، عنما تزوجت، ثم تحولت نسبتها إلى الأم عندما أنجبت ولدا، ثم تتغير نسبتها كلما تتقدم في عمرها....

     ها هي الأم التي تحمل وليدها تسعة أشهر في بطنها، تحويه بين أحشائها، وتغذيه من دمائها، لكن بعد إنجابها نسي ما آلمها وأشقاها، وضمته مباشرة إلى صدرها، فنسيت به دنياها، وأعطته ثديها ليمتص حياتها، فيقوى بضعفها، ويسمن بهزالها، ثم عاشت به وله.

     نعم، إنها هي الأم التي ترى الدنيا ابتسمت لها إن ابتسم لها ولدها، وترى الدنيا وعيشها قد كدرت إن بكى ولدها، وهجرت له منامها إن مرض، ونسيت طعامها وترعاه حتى يصح، وتحرسه كي لا يمرض، وتجيع بطنها في سبيل إشباعه.

     نعم، هي التي تعطي ولا تنتظر أن تأخذ مقابل العطاء، وهي التي مهما حاولتَ أن تفعل وتقدّم لها فلن تستطيع أن تردّ جميلها عليك ولو بقدر ذرة صغيرة؛ فهي سبب وجودك على هذه الحياة، وسبب نجاحك، تُعطيك من دمها وصحّتها لتكبر وتنشأ صحيحاً سليماً، هي عونك في الدّنيا، وهي التي تُدخلك الجنّة، فقد أتى رجلٌ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: إني أشتَهي الجهادَ ولا أقدِرُ عليه، قال: هل بقِي مِن والدَيكَ أحَدٌ؟ قال: أُمِّي، قال: فأبلِ اللهَ في بِرِّها، فإذا فعَلتَ ذلك فأنتَ حاجٌّ ومعتمرٌ ومجاهدٌ، فإذا رَضِيَتْ عنكَ أمُّكَ فاتقِ اللهَ وبِرَّها.

     قال أبو العلاء المعرّي:

 العَيْـشُ مَاضٍ فَأَكْـرِمْ وَالِدَيْـكَ بِـهِ       والأُمُّ أَوْلَـى بِـإِكْـرَامٍ وَإِحْـسَـانِ  

وَحَسْبُهَا الحَمْـلُ وَالإِرْضَـاعُ تُدْمِنُـهُ       أَمْـرَانِ بِالفَضْـلِ نَـالاَ كُلَّ إِنْسَـانِ

     لكنها اليوم بكت وأبكت السماء والأرض، وسود بكاؤها الدنيا كلها، عند ما بدأ الولد لم يهتم بها، وتركها كأنها خادمة له، ولم يجلس معها لضيق الوقت.

     أجل، لم أتحدث عن القرون الماضية، بل أتحدث عن زماننا هذا، بدأ شاب زماننا يعصي أمه، ويعاملها  أسوء من معاملة الخادمة، ولا يمنح الوقت لها كما يمنحه لزملائه، لكنها لم تغضب...

     لكن إذا بكت فاعلم أيها الشاب أن بكائها يبكي السماء والأرض، ويهز الدنيا كلها، ثم هذا الدور الذي تركته لأمك، غدا يأتيك...

 

التعليقات

اكتب تعليقك

وسوم متعلقة
  • #أمك
  • المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
    الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
    شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2018