الأسرة المباركة

سلام على إبراهيم سلام على ذلك الرجل الذي قال الله في حقه (وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً ) وقال أيضا (وَمَن يَرْغَبُ ...

بسم الله الرحمن الرحيم 

سلام على إبراهيم!

سلام على ذلك الرجل الذي قال الله في حقه: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} [النساء: ١٢٤].

وقال أيضا {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِين} [البقرة:١١٥].

وهذه العائلة التي ضرب الله بها المثل، في كمال التسليم والإنقياد لرب العالمين والتي أحيت معنى العبودية والإسلام..

فهذا إبراهيم الفتى الشاب يدعو الناس إلى الإيمان بالله وتوحيده عز وجل ويقول لأبيه: {إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [الأنعام: 74]. 

وإنما بعث الأنبياء ليدلوا الناس على قوة الله الغيبية التي ينصر بها أهل التقوى والإيمان؛ فمعية الله العامة بعلمه وقدرته وإحاطته للبشر جميعا وهذا للمؤمن وغير المؤمن، أما معيته الخاصة وتأييده وحفظه ونصرته، لا تكون إلا لمن قام على دينه قياماً صحيحاً ودعى الناس إلى الله تعالى وألزم نفسه بذلك.

وهكذا قام إبراهيم بدعوته لم يتأثر بقوة النمرود (ملك ذلك الزمان) ولا خاف من سطوته وبطش قومه، وهو الفتى الشاب الوحيد متيقنا في قوة وتأييد الله له. 

ولما ناظرهم وغلبهم وأوقعهم في الحيرة؛ فأرادوا أن يحرقوه مستعملين أسبابهم المادية القوية، وجمعوا له حطبا ًوأوقدوا له نارا عظيمة، ووضعوه في المنجنيق (المقلاع)؛ ليلقى به في وسط النار -متجرداً من جميع الأسباب- وجاءه الملك، وسأله: ألك حاجة؟ فأجاب قائلا: «أما إليك؛ فلا، وأما إلى ربي؛ فحسبي الله ونعم الوكيل».

فأعلن أنه متوكل* على رب الأرض والسماء لا يخاف في الله لومة لائم، واثقاً في ربه متأكداً من نصره؛ عند ذلك جاء الأمر الإلهى الغيبي أيضا: {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: ٦٩] فهكذا مع كمال الانقياد والتسليم، والثقة في رب العالمين تأتي نصرة الله وتأييداته الغيبية.

ثم كان الإمتحان الثاني على قلب إبراهيم عليه السلام، حيث ولد له إسماعيل عليه السلام، ولإبراهيم من العمر ست وثمانون سنة، فامتحن الله قلبه وحبه للولد، هل هو مقدم على حبه لأمر ربه؟ لأن الله تبارك وتعالى مدحه و قال: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} [النساء: ١٢٥] فأمره أن يفارق بزوجه هاجر وولده إسماعيل "الشام" إلى حيث أمر الله بوادي مكة. وجاء إبراهيم عليه السلام بأم إسماعيل وبابنها إسماعيل وهي ترضعه، حتى وضعها عند البيت عند دوحة (أى تحت شجرة عظيمة) فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هناك ووضع عند هما جراباً فيه تمر وسقاء فيه ماء.

ثم قفا إبراهيم منطلقا فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟؟؟

فقالت له ذلك مراراً، وجعل لا يلتفت إليها..

قالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال:نعم. قالت: إذن لا يضيعنا.

فانظر إلى كمال الانقياد والتسليم، وإلى المعنى الصحيح للإسلام والعبودية لله، طاعة مطلقة وثقة كاملة وانقياد تام لرب العالمين {أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ} [النحل: ١٢٣]. وانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية (جبل صغير) استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الدعوات (فهو أب رحيم ومحب لأسرته لا شك في ذلك ولكنه الإيمان والثقة في أن الفوز والنجاح في امتثال الأمر الإلهى لا في مخالفته فرفع يديه وقال): {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [النحل: ٢٧].

 وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل، وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى -أو قال: يتلبط- فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا؟ فلم ترى أحداً فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي* الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة فقامت عليها، فنظرت هل ترى أحداً؟ فلم ترى أحداً، ففعلت ذلك سبع مرات.

 قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فذلك سعى الناس بينهما». 

وهكذا جعل الله سلوك هذه المرأة الشريفة شريعة لنا؛ فلا يقبل حج ولا عمرة من رجال أو نساء، ملوكاً كانوا أو فقراء، إلا أن يقلدوا هذه المرأة العظيمة في السعي بين الصفا والمروة؛ ليتذكروا تلك الثقة الكاملة وهذه العبودية الخالصة، وهذا الانقياد الكامل لرب العالمين.

 فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت: صه. -تريد نفسها- ثم تسمعت فسمعت أيضا فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث؛ فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبيه -أو قال: بجناحه- حتى ظهر الماء فجعلت تحوضه، وتقول بيدها هكذا وجعلت تغرف الماء في سقائها، وهو يفور بعدما تغرف.

 قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم -أو قال- لو لم تغرف من الماء؛ لكانت زمزم عينا معينا. قال: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافوا الضيعة؛ فإن هاهنا بيتا لله يبنيه هذا الغلام وأبوه وإن الله لا يضيع أهله».

ونعم، والله لا يضيع أهل اليقين والتوكل.

ثم جاء الامتحان الأكبر حيث رأى إبراهيم في المنام، أنه يأمر بذبح ولده (ورؤيا الأنبياء حق) وإنه لاختبار عظيم تحتار في فهمه العقول، ولا تستأنس به كل النفوس؛ وإنما هو امتحان تسليم، وانقياد وثقة في أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين.

 . وعرض الأب الأمر على ابنه، {قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى} عازما على ذبحه وليس مستشيرا له، -كما يظن البعض- فإن الأنبياء لا يخالفون أمر الله تبارك وتعالى، وإنما التسليم والإنقياد. ويرد الإبن -البار بأبيه المطيع لربه-: {قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}

 وذهب بابنه إلى وادي منى؛ ليذبحه.. وجاء الشيطان اللعين ليصدهما عن التسليم، مع أن في الذبح هلاك الولد، وروعة الأب والأم، ولكن إبليس يعرف أن تنفيذ الأمر الإلهي أعظم مثوبة وفضلا من هلكة الولد وروعة الأهل والأحباب.. وهذا مما يخفى على كثير منا..فإن نجاح العبد وفلاحه في استسلامه وانقياده لرب العالمين، حتى لو كان في شكل الأمر الهلاك والخسارة.

فرجمه عند ذلك إبراهيم ثلاث مرات عند الجمرة الكبرى والوسطي والصغرى، وفى كل مرة يغوص الشيطان في الأرض؛ ولهذا يرمي المسلمون الجمار في الحج. ولما أمر إبراهيم السكين على حلق ولده لم تقطع شيئا، ونودي من قبل الله عز وجل: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ البَلاءُ المُبِينُ}. 

وجعل فدائه ذبحا عظيما.. قيل: إنه الكبش الذي قربه ابن آدم الصالح إلى ربه فتقبل منه، وقد رعاه ربه في خريف الجنة إلى أن استحق أن يكون فداءً لإسماعيل عليه السلام.. {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ}.

وهكذا من حال إلى حال، مضى إبراهيم وأهله في مقامات العبودية والتسليم والانقياد بالحب الكامل لرب العاملين، والذل والخضوع والتواضع، وقد أذن في الناس بالحج إحياءا لهذه الملة العظيمة، ملة التضحية بالغالي والنفيس، والنفس والمال والولد، حيث تستعد النفوس أن تذبح كل شيء، ولا تذبح أوامر رب العالمين. 

ونقول له -كما قال ربه-: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ}.

التعليقات

اكتب تعليقك

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2018